تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
جهة ما في مجتمعهم من الغفلة والإعراض أوضح النسبة بقوله :
« الَّذِينَ ظَلَمُوا »
فهو عطف بيان دل به على أن النجوى إنما كان من الذين ظلموا منهم خاصة . وقوله :
« هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ »
هو الذي تناجوا به ، وقد كانوا يصرحون بتكذيب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ويعلنون بأنه بشر وأن القرآن سحر من غير أن يخفوا شيئا من ذلك لكنهم إنما أسرّوا في نجواهم إذ كان ذلك منهم شورى يستشير بعضهم فيه بعضا ما ذا يقابلون به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ويجيبون عما يسألهم من الإيمان باللّه وبرسالته ؟ فما كان يسعهم إلا كتمان ما يذكر فيما بينهم وإن كانوا أعلنوا به بعد الاتفاق على رد الدعوة . وقد اشتمل نجواهم على قولين قطعوا عليهما أوردوهما بطريق الاستفهام الإنكاري وهما قوله :
« هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ »
وقد اتخذوه حجة لإبطال نبوّته وهو أنه كما تشاهدونه - وقد أتوا باسم الإشارة دون الضمير فقالوا : هل هذا ؟ ولم يقولوا : هل هو ؟ للدلالة على العلم به بالمشاهدة - بشر مثلكم لا يفارقكم في شيء يختص به فلو كان ما يدّعيه من الاتصال بالغيب والارتباط باللاهوت حقا لكان عندكم مثله لأنكم بشر مثله ، فإذ ليس عندكم من ذلك نبأ فهو مثلكم لا خبر عنده فليس بنبي كما يدّعي . وقولهم :
« أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ »
وهو تفرع بفاء التفريع على نفي النبوة بإثبات البشرية فيرجع المعنى إلى أنه لما لم يكن نبيا متصلا بالغيب فالذي أتاكم به مدّعيا أنه آية النبوة ليس بآية معجزة من اللّه بل سحر تعجزون عن مثله ، ولا ينبغي لذي بصر سليم أن يذعن بالسحر ويؤمن بالساحر . قوله تعالى :
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أي إنه تعالى محيط علما بكل قول سرا أو جهرا وفي أي مكان وهو السميع لأقوالكم العليم بأفعالكم فالأمر اليه وليس لي من الأمر شيء . والآية حكاية قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لهم لما أسرّوا النجوى وقطعوا على تكذيب نبوته ورمي