لو كان الكلام مسوقا لبيان أهوال الساعة وما أعدّ من العذاب للمجرمين كان الأنسب التعبير بيوم الحساب أو تقدير الزمان ونحو ذلك .
والمراد بالناس الجنس وهو المجتمع البشري الذي كان أكثرهم مشركين يومئذ لا المشركون خاصة وإن كان ما ذكر من أوصافهم كالغفلة والإعراض والاستهزاء وغيرها أوصاف المشركين فليس ذلك من نسبة حكم البعض إلى الكل مجازا بل من نسبة حكم المجتمع إلى نفسه حقيقة ثم استثناء البعض الذي لا يتصف بالحكم كما يلوّح اليه أمثال قوله :
« وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا »
وقوله :
« فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ »
على ما هو دأب القرآن في خطاباته الاجتماعية من نسبة الحكم إلى المجتمع ثم استثناء الأفراد غير المتصفة به .
وبالجملة فرق بين أخذ المجتمع موضوعا للحكم واستثناء أفراد منه غير متصفة به وبين أخذ أكثر الأفراد موضوع الحكم ثم نسبة حكمه إلى الكل مجازا وما نحن فيه من القبيل الأول دون الثاني .
وقوله :
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
ذلك أنهم تعلقوا بالدنيا واشتغلوا بالتمتع فامتلأت قلوبهم من حبها فلم يبق فيها فراغ يقع فيها ذكر الحساب وقوعا تتأثر به حتى أنهم لو ذكّروا لم يذكروا وهو الغفلة فإن الشيء كما يكون مغفولا عنه لعدم تصوّره من أصله قد يكون مغفولا عنه لعدم تصوره كما هو حقه بحيث تتأثر النفس به .
قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
الآية بمنزلة التعليل لقوله :
« وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ »
إذ لو لم يكونوا في غفلة معرضين لم يلعبوا ولم يتلهّوا عند استماع الذكر الذي لا ينبههم إلا على ما يهمهم التنبيه له ويجب عليهم التهيؤ له ، ولذلك جيء بالفصل من غير عطف .
والمراد بالذكر ما يذكر به اللّه سبحانه من وحي إلهي كالكتب السماوية ومنها القرآن الكريم ، والمراد بإتيانه لهم نزوله على النبي وإسماعه وتبليغه ، ومحدث بمعنى جديد وهو معنى إضافي وهو