قوله تعالى :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ
تسبيح وتنزيه له عن كل ما لا يليق بساحة قدسه ، وهو يقبل التفرّع على إنزال القرآن وتصريف الوعيد فيه لهداية الناس والتفرع عليه وعلى ما ذكر قبله من حديث الحشر والجزاء وهذا هو الأنسب نظرا إلى انسلاك الجميع في سلك واحد وهو أنه تعالى ملك يتصرف في ملكه بهداية الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم ثم إحضارهم وجزائهم على ما عملوا من خير أو شر .
قوله تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
السياق يشهد بأن في الكلام تعرّضا لتلقّي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وحي القرآن ، فضمير
« وَحْيُهُ »
للقرآن ، وقوله :
« وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ »
نهي عن العجل بقراءته ، ومعنى قوله :
« مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ »
من قبل أن يتمّ وحيه من ملك الوحي .
فيفيد أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان إذا جاءه الوحي بالقرآن يعجّل بقراءة ما يوحى اليه قبل أن يتمّ الوحي فنهي عن أن يعجل في قراءته قبل انقضاء الوحي وتمامه فيكون الآية في معنى قوله تعالى في موضع آخر :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
( القيامة / 18 ) .
ويؤيد هذا المعنى قوله بعد :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
فإن سياق قوله : لا تعجل به وقل رب زدني ، يفيد أن المراد هو الاستبدال أي بدّل الاستعجال في قراءة ما لم ينزل بعد ، طلبك زيادة العلم ويؤول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد لأن عندك علما به في الجملة لكن لا تكتف به واطلب من اللّه علما جديدا بالصبر واستماع بقية الوحي .
وهذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فلولا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى .