توهم الإنسان ذلك لنفسه وهم يعاينون اليوم أن الملك والقدرة للّه سبحانه لا شريك له قال تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( المؤمن / 16 ) ، وقال :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
( البقرة / 165 ) .
وإن كان متعلقا بالداعي كان معناه أن الداعي لا يدع أحدا إلا دعاه من غير أن يهمل أحدا بسهو أو نسيان أو مساهلة في الدعوة .
لكن تعقيب الجملة بقوله :
« وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ »
الخ ؛ يناسب المعنى الأول فإن ارتفاع الأصوات عند الدعوة والاحضار إنما يكون للتمرد والاستكبار عن الطاعة والاتباع .
وقوله :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
قال الراغب :
الهمس الصوت الخفي وهمش الاقدام أخفى ما يكون من صوتها قال تعالى :
« فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً »
. انتهى . والخطاب في قوله :
« فَلا تَسْمَعُ »
للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمراد كل سامع يسمع والمعنى وانخعضت الأصوات لاستغراقهم في المذلة والمسكنة للّه فلا يسمع السامع إلا صوتا خفيا .
قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
نفي نفع الشفاعة كناية عن أن القضاء بالعدل والحكم الفصل على حسب الوعد والوعيد الإلهيين جار نافذ يومئذ من غير أن يسقط جرم مجرم أو يغمض عن معصية عاص لمانع يمنع منه فمعنى نفع الشفاعة تأثيرها .
وقوله :
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
الاستثناء يدل على أن العناية في الكلام متعلقه بنفي الشفعاء لا بتأثير الشفاعة في المشفوع لهم ، والمراد الإذن في الكلام للشفاعة كما يبيّنه قوله بعده :
« وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا »
فإن التكلم يومئذ منوط بإذنه تعالى ، قال :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
( هود / 105 ) ، وقال :
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
( النبأ / 38 ) . وقد مر القول في معنى الإذن في التكلم في تفسير سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب .