تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
« تَلْقَفْ ما صَنَعُوا »
و
« ما »
مصدرية أو موصولة وبيان بحسب الحقيقة لكونه عليه السّلام أعلى لأن ما معهم كيد ساحر لا حقيقة له وما معه آية معجزة ذات حقيقة والحق يعلو ولا يعلى عليه . وقوله :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
بمنزلة الكبرى لقوله :
« إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ »
فإن الذي يناله الساحر بسحره خيال من الناظرين باطل لا حقيقة له ولا فلاح ولا سعادة حقيقية يظفر بها في أمر موهوم لا واقع له . فقوله :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
نظير قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( الأنعام / 144 ) ،
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
( المائدة / 108 ) ، وغيرهما والجميع من فروع
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
( الإسراء / 81 ) ،
وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
( الشورى / 24 ) ، فلا يزال الباطل يزيد أمورا ويشبّهها بالحق ولا يزال الحق يمحوه ويلقف ما أظهره لوهم الناظرين سريعا أو بطيئا فمثل عصا موسى وسحر السحرة يجري في كل باطل يبدو وحق يلقفه ويزهقه ، وقد تقدّم في تفسير قوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
( الرعد / 17 ) ، كلام نافع في المقام . قوله تعالى :
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
في الكلام حذف وإيجاز والتقدير فألقى ما في يمينه فتلقف ما صنعوا فالقي السحرة وفي التعبير بقوله :
« فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ »
بالبناء للمفعول دون أن يقال : فسجد السحرة إشارة إلى إذلال القدرة الإلهية لهم وغشيان الحق بظهوره إياهم بحيث لم يجدوا بدّا دون أن يخروا على الأرض سجّدا كأنهم لا إرادة لهم في ذلك وإنما ألقاهم ملق غيرهم دون أن يعرفوه من هو ؟ . وقولهم :
آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
شهادة منهم بالإيمان وإنما أضافوه تعالى إلى موسى وهارون ليكون فيه الشهادة على ربوبيته تعالى ورسالة موسى وهارون معا وفصل قوله :
« قالُوا »
الخ ؛ من غير عطف لكونه كالجواب لسؤال مقدّر كأنه قيل : فما قالوا فقيل : قالوا ، الخ .