وتحرّز وإلا لظهر أثره في ظاهر البشرة وعمل الإنسان قطعا ، وإلى ذلك يومئ تنكير الخيفة كأنه قيل : أحسّ في نفسه نوعا من الخوف لا يعبأ به ، ومن العجيب قول بعضهم : إن التنكير للتفخيم وكان الخوف عظيما وهو خطأ ولو كان كذلك لظهر أثره في ظاهر بشرته ولم يكن لتقييد الخيفة بكونها في نفسه وجه .
فظهر أن الخيفة التي أوجسها في نفسه كانت إحساسا آنيّا لها نظيرة الخاطر الذي عقبها فقد خطرت بقلبه عظمة سحرهم وأنه بحسب التخيّل مماثل أو قريب من آيته فأوجس الخيفة من هذا الخطور وهو كنفس الخطور لا أثر له .
قوله تعالى :
قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
- إلى قوله -
حَيْثُ أَتى
نهي بداعي التقوية والتأييد وقد علله بقوله :
« إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى »
فالمعنى : إنك فوقهم من كل جهة وإذا كان كذلك لم يضرك شيء من كيدهم وسحرهم فلا موجب لأن تخاف .
وقوله :
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا
الخ ؛ أمر بإلقاء العصا لتكون حية وتلقف ما صنعوا بالسحر والتعبير عن العصا بما في يمينك من ألطف التعبير وأعمقه فإن فيه إشارة إلى أن ليس للشيء من الحقيقة إلا ما أراد اللّه فإن أراد لما في اليمين أن يكون عصا كان عصا وإن أراد أن يكون حية كان حية فما له من نفسه شيء ثم التعبير عن حياتهم وثعابينهم بقوله :
« ما صَنَعُوا »
يشير إلى أن المغالبة واقعة بين تلك القدرة المطلقة التي تتبعها الأشياء في أساميها وحقائقها وبين هذا الصنع البشري الذي لا يعدو أن يكون كيدا باطلا وكلمة اللّه هي العليا واللّه غالب على أمره فلا ينبغي له أن يخاف .
وفي هذه الجملة أعني قوله :
« وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا »
بيان لكونه عليه السّلام أعلى بحسب ظاهر الحسّ كما أن في ذيله بيانا لكونه أعلى بحسب الحقيقة إذ لا حقيقة للباطل فمن كان على الحق فلا ينبغي له أن يخاف الباطل على حقه .
وقوله :
« إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى »
تعليل بحسب اللفظ لقوله :