تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
- إلى قوله -
لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
قد عرفت أن لسؤاله
« فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ؟ »
ارتباطا بما وصف اللّه به من الهدية العامة التي منها هداية الإنسان إلى سعادته في الحياة وهو الحياة الخالدة الأخروية وكذا الجواب عنه بقوله :
« عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي »
الخ ؛ مرتبط فقوله :
« الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً »
مضي في الحديث عن الهداية العامة وذكر شواهد بارزة في ذلك . والباء في
« بِهِ »
للسببية وفيه تصديق السببية والمسببية بين الأمور الكونية ، والمراد بكونه النبات أزواجا كونها أنواعا وأصنافا متقاربة كما فسّره القوم أو حقيقة الازدواج بين الذكور والإناث من النبات وهي من الحقائق التي نبّه عليها الكتاب العزيز . وقوله :
فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى
فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بالغير ، قيل : والوجه فيه ما في هذا الصنع العجيب وإبداع الصور المتشتتة والأزواج المختلفة على ما فيها من تنوّع الحياة من ماء واحد ، من العظمة والصنع العظيم لا يصدر إلا من العظيم والعظماء يتكلمون عنهم وعن غيرهم من أعوانهم وقد ورد الالتفات في معنى إخراج النبات بالماء في مواضع من كلامه تعالى كقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها
( فاطر / 27 ) ، وقوله :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ
( النمل / 60 ) ، وقوله :
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ
( الأنعام / 99 ) . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
النهى جمع نهية بالضم فالسكون : وهو العقل سمّي به لنهيه عن اتباع الهوى . قوله تعالى :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
الضمير للأرض والآية تصف ابتداء خلق الإنسان من الأرض ثم إعادته فيها وصيرورته جزء منها ثم إخراجه منها للرجوع إلى اللّه ففيها الدورة الكاملة من هداية الإنسان .