تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
فقوله :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
أي ما حال الأمم والأجيال الإنسانية الماضية التي ماتوا وفنوا لا خبر عنهم ولا أثر كيف يجزون بأعمالهم ولا عامل في الوجود ولا عمل وليسوا اليوم إلا أحاديث وأساطير ؟ فالآية نظيرة ما نقل عن المشركين في قوله :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
( ألم السجدة / 10 ) ، وظاهر الكلام أنه مبني على الاستبعاد من جهة انتفاء العلم بهم بأعمالهم للموت والفوت كما يشهد به جواب موسى عليه السّلام . قوله تعالى :
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
أجاب عليه السّلام عن سؤاله بإثبات علمه تعالى المطلق بتفاصيل تلك القرون الخالية فقال :
« عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي »
فأطلق العلم بها فلا يفوته شيء من أشخاصهم وأعمالهم وجعلها عند اللّه فلا تغيب عنه ولا تفوته ، وقد قال تعالى :
« وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
ثم قيّد ذلك بقوله :
« فِي كِتابٍ »
- وكأنه حال من العلم - ليؤكد به أنه مثبت محفوظ من غير أن يتغير عن حاله وقد نكّر الكتاب ليدلّ به على فخامة أمره من جهة سعة إحاطته ودقّتها فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . فيؤول معنى الكلام إلى أن جزاء القرون الأولى إنما يشكل لو جهل ولم يعلم بها لكنها معلومة لربي محفوظة عنده في كتاب لا يتطرق اليه خطأ ولا تغيير ولا غيبة وزوال . وقوله :
« لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى »
نفي للجهل الابتدائي والجهل بعد العلم على ما نقل عن بعضهم ولكن الظاهر أن الجملة مسوقة لنفي الجهل بعد العلم بقسميه فإن الضلال هو قصد الغاية بسلوك سبيل لا يؤدي إليها بل إلى غيرها فيكون الضلال في العلم هو أخذ الشيء مكان غيره وإنما يتحقق ذلك بتغير المعلوم من حيث هو معلوم عما كان عليه في العلم أولا ، والنسيان خروج الشيء من العلم بعد دخوله فيه فهما معا من الجهل بعد العلم ، ونفيه هو المناسب لإثبات العلم أولا فيفيد مجموع الآية أنه عالم بالقرون الأولى ولا سبيل اليه للجهل بعد العلم فيجازيهم على ما علم .