الثالث ما سكتت عنه الشواهد الخاصة فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه فهذا على وجهين
أحدهما أن يرد نص على وفق ذلك المعنى كتعليل منع القتل للميراث فالمعاملة بنقيض المقصود تقدير إن لم يرد نص على وفقه فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر فلا يصح التعليل بها ولا بناء الحكم عليها باتفاق ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله
والثاني أن يلائم تصرفات الشرع وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله
ولتقتصر على عشرة أمثلة :
المثال الأول :
أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جمع المصحف وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضا بل قد قال بعضهم كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إلى أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة وإذا عنده عمر رضي الله عنه قال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن
قال فقلت له كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي - هو - والله - خير
فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له ورأيت فيه الذي رأى عمر
قال زيد فقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه
قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على من ذلك فقلت كيف تعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو والله خير
فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدورهما فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال فهذا عمل لم ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة .
الإعتصام — صفحة 354
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٥٤