عليهم - ليس علم إحاطة بالأسماء ، وإنّما هو علم إنبائي ، لا كعلم آدم علم لدني ، والعلم اللدني منه ما يكون عياني ، بخلاف الإنبائي فإنّه حصولي .
الثاني : إنّ هذه الأسماء ليست أصوات متموّجة وكلمات لسانية ، بل هي موجودات حيّة شاعرة عاقلة ; لقوله تعالى : ( عَرَضَهُمْ ) حيث إنّ الضمير ( هم ) لا يُستعمل إلاّ في ذلك ; ولقوله تعالى : ( بِأَسْمَاءِ هؤُلاءِ ) فإنّ اسم الإشارة ( هؤلاء ) لا يُستعمل إلاّ في ذلك أيضاً ; ولقوله تعالى : ( . . . فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ) فيُعلم أنّ هذه الموجودات الحيّة الشاعرة العاقلة ، هي سنخ موجودات كينونتها في الغيب الذي هو باطن السماوات ، أي في نشأة ما وراء السماوات وما وراء نشأة الملائكة ، وهذا ينطبق على المخلوقات النورية ، ولا ريب في كون نور النبيّ هو أحدها ، لأنّه سيّد الكائنات والمخلوقات ، كما في قوله تعالى : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ( 2 ) .
فتحصّل من هاتين الطائفتين الإشارة الواضحة إلى الخلقة النورية المتقدّمة على خلق السماوات والأرض باعتبار وصفها غيب السماوات والأرض .
وهناك آيات أخرى تتعرّض لخلقتهم النورانية ، لسنا في صدد بسط الدلالة حولها ، ونكتفي بالإشارة في الموضع المناسب لها ، نظير قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ( 3 ) ، وقوله تعالى : ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنْزِلَ مَعَهُ أولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( 4 ) .
هامش
( 1 ) سورة النجم 53 : 8 - 9 .
( 2 ) سورة الأنبياء 21 : 107 .
( 3 ) سورة التوبة 9 : 32 .
( 4 ) سورة الأعراف 7 : 157 .