فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ( 1 ) ، وصريح الآية هو أنّ الجعل فعلي منه تعالى للإمامة الفعلية لإبراهيم ، مع أنّه في الظاهر المعلن من التاريخ لم يتقلّد النبي إبراهيم حكومة معلنة وسلطة رسمية في بلد من البلدان ، فهذه الإمامة للبشر لابدّ أن يكون تدبيرها الفعلي للنظام البشري لا يقتصر على السلطة الرسمية المعلنة ، بل يشمل التدبير السياسي الاجتماعي الخفي ، مضافاً إلى هداية الأرواح والنفوس لإيصالها إلى المنازل المعنوية في الكمال ، وكذلك قوله
تعالى : ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) ( 2 ) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ( 3 ) .
فهذا الوصف للجعل الإلهي الفعلي لإمامتهم بالفعل إمامة إسحاق ويعقوب - مع أنّهم لم يتقلّدوا زمام أي سلطة رسمية في التاريخ ، وقد ورد في روايات الفريقين حول حياة النبيّ إبراهيم من لقائه أولياء الله في شتّى أقطار الأرض ، وأنّه كان على اتّصال وارتباط معهم .
هذا مضافاً إلى النقلة الحضارية التي أحدثها النبيّ إبراهيم في الخطّ الأدياني والقانوني للبشر في العراق وبلاد الشام وأرض الحجاز ومصر ، كما هو الحال في دور أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في إرساء رحى عقائد الإيمان ومعالم الدين وما نشروه وشيدوه من معارف وأحكام الدين والتي كانت مجهولة لدى المسلمين في عصر النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث لم يتلقّها عن النبيّ إلاّ العترة بالعلم اللدني لا مجرّد السماع
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 124 .
( 2 ) سورة الأنبياء 21 : 72 - 73 .
( 3 ) سورة السجدة 32 : 24 .