الأدباء في الوصول إليها ، نظير ترسيم شخصّية صاحب النصّ وبيئته وخلفيته العلمية وخلقه وتاريخه ، إلى غير ذلك من العوامل والبيئات التي ترتبط بصاحب النصّ ، كلّ ذلك من خلال مقطوعة لفظية يدرسها ويحلّلها الأديب البارع . ولقد كانت المسابقات الأدبية معهودة عند عرب الجاهلية حيث كانوا يتعاطون في سوق عكاظ حول القصائد الشعرية والمقطوعات النثرية عند من برز نجمه في الأدب .
والنتيجة : أنّ الروايات التفسيرية ليست مجرّد تعبّدية إجمالية محضة ، بل مدلّلة مُبيّنة على التفسير الثاني للبطون التأويلي الخفي لأنّ فيها إرشاداً إلى كيفية الاستفادة من الظهور القرآني ، بخلافه على المعنى الأوّل ; فإنّها لا تعدو التعبّد بمعنى الذي لا نعرف موازينه ولم نتعرّف عليها . .
في حين أنّها على الفهم الثاني للبطون ستكون شرحاً وتفصيلاً للقرآن الذي هو بمثابة الدستور كما ذكر السيد البروجردي تبعاً لمنهج العلاّمة المجلسي في البحار .
وبهذا الفهم يتمّ القضاء على الشبهة الموجّهة للشيعة الإمامية بأنّها فرقة باطنية غنوصيّة لا تعلن عن أفكارها ومتبنياتها ; إذ عرفت أنّ الشيعة لا تعتقد ولا تتبنّى فكرة إلاّ وهي ظاهرة مآلاً من القرآن والسنّة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) على الفهم الأوّل للبطون يجاب عن شبهة الباطنية بالحديث الشريف : « من آمن بالظاهر دون الباطن فقد كفر ، ومن آمن بالباطن دون الظاهر فقد كفر ، ومن آمن بهما معاً فقد آمن » .
وذلك لأنّ الإيمان بالباطن دون الظاهر يساوق عدم الالتزام بالشريعة الظاهرية وبواجباتها ومحرّماتها ، بل وعقائدها ، وهو واضح أنّه انحراف وكفر . . فتهمة الباطنية إنّما تشكّل وصمة ، وتعبّر عن الانحراف إذا كان بالتنكّر للظاهر ، أمّا مع الدمج بينهما فهو الإيمان ، بل ورد في الحديث أنّ إنكار الباطن والاقتصار على الظاهر كفر . كيف ، وهناك جملة من الآيات القرآنية دالّة على ذلك كقوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم ) ، وقوله تعالى : ( إنّه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون ) ، وقوله تعالى : ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) ، وقوله تعالى : ( ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء ) ، وقوله تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) ، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ لظاهر القرآن تأويل وحقائق في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون والكتاب المبين لا يطّلع عليها إلاّ المطهّرون أهل آية التطهير ، حيث الكتاب آيات بينات في صدورهم ، والإيمان بظاهر الكتاب وإنكار تأويله في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون والكتاب المبين هو من باب : ( أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، ونظير ذلك الحديث النبويّ : « ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » ، حيث يدلّ على أنّ فقه الدين وفهمه له مراتب ومدارج مترامية متلاحقة تمتدّ بامتداد ما للدين من عمق وغور خفية عن مرتبة الظاهر الأوّل ، وقد أشبعنا البحث في ذلك في الفصول السابقة .
وكذا قوله : ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ) .