لنفسه وبعضٌ مقتصد وبعضٌ سابق بالخيرات ، كما أنّ الذين اصطفيناهم بعضٌ من عبادنا ، فلفظ ( من ) التي تكرّرت أربع مرّات في الآية بمعنى بعض ; وإلاّ كيف يصطفي الله الظالم لنفسه ؟
ومنه يُعرف أنّ المراد من السابق بالخيرات هم الذين اصطُفوا من العباد ، وأنّهم الأئمّة ، وأنّ الإمامة وهي وراثة الكتاب هي الفضل الكبير ، والتعبير بالسابق بالخيرات بإذن الله يقرب من التعبير في سورة الأنبياء في قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ( 1 ) ، فكما جعل في آية فاطر السبق بإذن الله إصطفائي لدني ، فكذلك في آية الأنبياء جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمّة يهدون بأمر الله ، وأنّ فعل الخيرات منهم بوحي تسديدي من الله ، وأنّ هذا الأمر ليس أمراً إنشائياً بل هو أمر تكويني الذي أشير إليه في سورة النحل بقوله تعالى : ( يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) ( 2 ) .
وكذلك في سورة القدر قوله تعالى : ( تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر ) ( 3 ) وكذلك في سورة الشورى قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ) ( 4 ) ، وهذا ممّا يشير أنّ روح القدس من عالم الأمر الملكوتي الابداعي .
وقد ذُكر عالم الأمر في قوله تعالى ( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ( 5 ) ، وقوله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ( 6 ) ،
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء 21 : 73 .
( 2 ) سورة النحل 16 : 2 .
( 3 ) سورة القدر 97 : 4 .
( 4 ) سورة الشورى 42 : 52 .
( 5 ) سورة الأعراف 7 : 54 .
( 6 ) سورة يس 36 : 82 .