نفسه وروحه .
فتبيّن أنّ الوجود التكويني هو القسمان الأخيران ، وكلّ منهما ذو مراتب ، وهذا التقسيم يعمّ جميع الأشياء ; فإنّ لكلّ شيء من الأشياء وجود لفظي صوتي وكتبي نقشي ، ووجودان تكوينان ، وهو وجود معانيها في الذهن ووجود عيني خارجي .
فإذا تبيّن ذلك يتبيّن أنّ للقرآن الكريم هذه الوجودات الأربعة ، فالتنزيل الذي في المصحف هو وجود كتبي ونقش للوجود اللفظي للقرآن ، كما أنّ صوت قراءة القرآن هو وجود لفظي صوتي للقرآن .
ولكلّ من هذين الوجودين أحكام ، فإنّه يُحرم لمس خطّ كتابته من دون طهارة ، كما أنّ وجود المصحف الشريف المقدّس حرز وأمان ، كما أنّه يُستحبّ النظر إليه ، والقراءة منه أفضل وأكثر فضيلة من القراءة عن ظهر قلب ، كما أنّ قراءة القرآن وهو الوجود الصوتي - يدخل النور في البيت ويطرد الشياطين ويُكثر البركة والرزق ، ويُستحب تحسين الصوت وتجويده ، كما يُستحب قراءته بخشوع وحزن .
وأمّا معاني القرآن فهو الوجود الذهني للقرآن ومعانيه وهو مصدر الهداية والبصيرة .
ومن أحكامه : لزوم التدبّر ، كما قال تعالى : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا ) ( 1 ) ، فالتدبّر سرح للنظر في المعاني والسير في مدارجها بالتفكّر ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر ) ( 2 ) . فلا يقتصر وجود القرآن على النقش الكتبي ولا على حركة ولقلقة اللسان وبديع التجويد وتحسين الصوت ، بل كلّ ذلك إلى غاية أهمّ وهو وجود القرآن في أفق المعنى ، والاستضاءة بنور هدايته
هامش
( 1 ) سورة محمد 47 : 24 .
( 2 ) سورة القمر 54 : 17 .