وقال مهنئا الحاج محمد صالح كبه ( 214 ) في زواج ولده الحاج مصطفى كبه :
حيتك سارقة اللحاظ من الظبا * تجلو المدام فحي ناعمة الصبا
جاءتك تبسم والبنان نقابها * فأرتك بدرا بالهلال تنقبا
وكأنها هي حين زفت كأسها * شمس تزف من المدامة كوكبا
عقدت على الوسط النطاق مفوفا * ولوت على الخصر الوشاح مذهبا
أحبب إليك بها عشيقة مغرم * راض العواذل شوقه فتصعبا
هي تلك لاعبة العشاء ومن لها * ألفت بنات الشوق قلبك ملعبا
أمسيت منها ناعما بغريرة * بنسيم رياها تعطرت الصبا
ونديمة لك لو تغنى باسمها * حجر ( 215 ) لرقصه غناها مطربا
سكبت بكأس حديثها من لفظها * راحا ألذ من المدام وأعذبا
وترنمت هزجا فأطرب لحنها * قمري ماشة الأراك فطربا
فكأنما علمت بعرس المصطفى * فشدت غنا لابن الأراكة أطربا
في ليلة طابت فساعة أنسها * لم تلق عمر الدهر منها أطيبا
وفد السرور بها لمغنى أصيد * كرما يحيي الوافدين مرحبا
شملت مسرته البرية كلها * إذ كان في كل النفوس محببا
فكأن عرس المصطفى فيه الورى * كل محمد صالح أن يطربا
قد عاد مغربها يهني شرقها * فيه ومشرقها يهني المغربا
فرحوا وحق لهم به أن يفرحوا * من حيث أن الدهر فيه أغربا
في الشيب جاء به سرورا لم يجئ * في مثله مذ كان مقتبل الصبا
هو في الأنام صنيعة مشكورة * للدهر ما صحبوا لسانا معربا
للكرخ ناعمة الهبوب تحملي * مني سلاما من نسيمك أطيبا
وصلي إلى بيت قد انتجع الورى * منه جنابا بالمكارم معشبا
بيت على ( الزوراء ) يقطر نعمة * فكأنه بالغيث كان مطنبا
قولي إذا حييت فيه بالرضا * فسواك منه هيبة لن يقربا
بشراك بسام العشي بفرحة * ضحكت بها الدنيا إليك تطربا
وجلا عليك اليمن فيها طلعة * غراء ساطع ( 216 ) سعدها لن يغربا
فاسعد بقرة ناظريك فقد غدا * في عرسه المجد المؤثل معجبا
أمقيل من لبس الهجير تغربا * ومعرس السارين تنزع لغبا
عجبا لهذا الدهر يصحب بخله * ولجود كفك ليس يبرح مصحبا
ويرى جبينك كيف يشرق للندى * كرما ويغدو الوجه منه مقطبا
أرحبت للأضياف دارة جفنة * من دارة القمر الوسيعة أرحبا
وحملت عب بني الزمان ولو به * يعنى أبوهم لاستقالك متعبا
وأما ومجدك خلفة لو لم يكن * للعالمين سجال جودك مشربا
نزف اغترافهم البحار وبعدها * ترك اعتصارهم الغمائم خلبا
فمتى تقوم بحارها وقطارها * لهم مقامك ما جرت وتصببا
يفدي أناملك الرطيبة ( 217 ) معجب * في يبس أنملة بعذلك أسهبا
لو مس وجه الأرض يبس بنانه * لرأيته حتى القيامة مجدبا
عذبت مذاقة ( لا ) بفيه لبخله * وبفيك طعم ( نعم ) غدا مستعذبا
فأزداد حتى في معيشة نفسه * ظيقا وللوفاد زدت ترحبا
تسع الزمان بجود كفك باسما * ويضيق صدر الدهر منك مقطبا
لورعت مهجة نفسه وزحمته * لفطرتها وحطمت منه المنكبا
ولقد جريت إلى العلاء بهمة * لم ترض عالية المجرة مركبا
حلقت حيث الطرف عنك مقصر * فصعدت حيث النجم عنك تصوبا
شهدت قناة المجد أنك صدرها * وعدا أخيك غدا الأماجد أكعبا
ما قمت يوم الفخر وحدك موكبا * إلا وقام به مثالك موكبا
أصبحت منتسبا لغر أماجد * ودت لهم شهب السما أن تنسبا
هم أيكة الشرف التي منها الورى * ثمر السماحة ما اجتنوه مرجبا ( 218 )
طابت أرومتها العريقة في العلى * وسقت مكارمها ثراها الطيبا
وكفى بجودك وهو أعدل شاهد * يصف الذي من جودها قد غيبا
ولقد تحققت اسم غادية الحيا * فوجدت معناه نداك الصيبا
وأجلت فكري في اسم أنفاس الصبا * فإذا به خلق الرضا قد لقبا
سيماء عزك في أسرة وجهه * لله أنت فهكذا من أنجبا
زينت أفق الفخر منك بكوكب * ما كان أزهره بفخرك كوكبا
فالشمس قد ودت وان هي أعقبت * قمر السماء نظيره أن تعقبا
قد غاض فيض ابن الفرات لجوده * إذ كان أغزر من نداه وأعذبا
لا تطر ( كعبا ) واطو ( حاتم طيء ) * وانشر مكارمه تجدها أغربا
واترك له ( معنا ) على ما فيه من * كرم فمعن لو رآه تعجبا
ودع ( الخصيب ) فلو تملك ملكه * الهادي لجاد به لفرد أتربا
الجامع الحمد الذي لم يجتمع * والواهب الرفد الذي لن يوهبا
خلقت أدر من السحائب كفه * بل أنشأت منها أعم وأخصبا
هو خير من ضمت معاقد حبوة * وأخوه فخرا خير من عقد الحبا
طلعا طلوع النيرين فما رأى * أفق المكارم مذ أنارا غيهبا
فعلاهما في المجد أبعد مرتقى * ونداهما للوفد أقرب مطلبا
أبقية الكرم الذين سواهم * لم يتخذ نهج المكارم مذهبا
لا زلتم في نعمة ومسرة * ما دام ظهر الأرض يحمل كبكبا ( 219 )
هامش
214 الحاج محمد صالح كبه . جد الأسرة العريقة العربية المحتد والتي تتفرع من ربيعة .
وبيت آل كبه من البيوت القديمة في بغداد يرجع إلى العهد العباسي . ولد في 1201 ه
ونشأ محبا للخير والعلم والأدب . وقد نال حظا وافرا منها . برع في كثير من الفنون غير
أن مزاولته للتجارة وإدارته الواسعة لمساعدة العلم والعلماء وإنفاقه عشرات الألوف
من الدنانير في هذا السبيل باعدا بينه وبين مواصلة الدراسة ، وهذا الديوان كاف لان
يعلمك منزلته ومكانته السامية . اشتهر في مختلف العواصم الشرقية . توفي ببغداد سنة
1287 ه ودفن في النجف بمقبرته الخاصة ، وآثاره العمرانية والاصلاحية باقية لليوم .
ذكره المؤرخ إبراهيم بن فصيح الحيدري في كتابه - عنوان المجد - المخطوط ، وصاحب
الديوان في كتابه - العقد المفصل - .
215 وفي نسخة : لو تغني باسمها حجرا .
216 وفي نسخة : طالع .
217 وفي نسخة : الرقيقة .
218 المرجب : الثمر يوضع حوله الشوك ليمتنع على الناس .
219 الكبكب : المجتمع الخلق .