تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في علم الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨

ثانيهما : ان الأحكام المجعولة سواء كانت في هذه الشريعة أو الشرائع السابقة ليست مجعولة بنحو القضايا الخارجية ، وانما هي مجعولة بنحو القضايا الحقيقية ، فتعم جميع الناس في جميع الأزمان ما لم ينسخ ، غايته فعليتها بفعلية الموضوع ، والشك فيها ليس إلَّا من جهة النسخ ، فالمتيقن ثبوت الحكم بنحو القضية الحقيقية والمشكوك فيه نسخه ، فمورد اليقين والشك قضية واحدة ، فلا مانع من جريان استصحاب عدم النسخ حتى في الحكم الثابت في الشريعة السابقة ، لأنه أيضا مجعول بنحو القضية الحقيقية ، فيعمنا مع قطع النّظر عن النسخ ، فكنا مشمولين له قطعا لو فرض تأخر بعثة نبينا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم . وهذا الوجه قد ارتضاه جملة من المتأخرين ، وعليه بنوا جريان استصحاب عدم النسخ . ولكن نحن في الدورة السابقة ناقشنا فيه بما حاصله : ان الحكم من الأمور الاعتبارية ، والاعتبار كالتصور مما لا بقاء له بل ينعدم بالغفلة ونحوها ، فما له بقاء اعتباري ممكن أن يشك فيه هو المعتبر ، وهو بالقياس إلى افراد المكلف لا بد وأن يكون مطلقا أو مقيدا بعد استحالة الإهمال في مقام الثبوت . وقد ذكرنا انّ النسخ من الشارع دفع لا رفع حقيقة ، لأنه كاشف عن مقدار سعة الجعل وضيقه من الأول . وعليه فإذا ثبت إطلاق الحكم الثابت في هذه الشريعة أو الشرائع السابقة فنفس ما دل على إطلاقه كاف في دفع احتمال النسخ ، سواء كان دليلا خارجيا كقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ( حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ) ( 1 ) وان ناقش فيه الشيخ ، أو كان إطلاق دليل نفس ذلك الحكم كقوله تعالى * ( وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) * ( 2 ) ولا معنى حينئذ لاحتمال النسخ ، لأنه دفع لا رفع ، وإلَّا لزم البداء

هامش
( 1 ) الكافي : 1 - 58 .
( 2 ) آل عمران : 97 .