لبقي هذا العالم الممكن على حاله الأولى من العدم ( 1 ) .
وقد يتوهم متوهم ، أن العالم الممكن حسب الفرض ، يكون نفسه علة هذا الترجيح من دون
حاجة إلى فرض مرجح خارج عنه ، لكفة وجوده على عدمه .
ولكن هذا التوهم ، يزول بمجرد الالتفات إلى أن العلة ، ليصح أن تكون علة ، لا بد من
تقدمها على معلومها ذاتا ورتبة .
ومع فرض أن العلة هي نفس المعلول ، يلزم أن يكون الشيء متقدما على نفسه وهو محال ،
هذا أولا .
وثانيا : ليس وجوده عن ذاته بأولى من عدمه ( 2 ) .
بعد أن اتضحت ضرورة وجود مرجح لكفة الوجود في العالم على كفة العدم ، لا بد من أن
ننقل الكلام إلى هذا المرجح ، فهو بالقسمة العقلية ، لا يخلو عن إحدى حالتين ، إذ إنه
إما واجب ، أو ممكن .
فإن كان واجبا ، فقد ثبت المطلوب ، وهو واجب الوجود . وإن كان ممكنا ، لا بد له
بدوره ، من علة رجحت كفة الوجود فيه على كفة العدم . وذلك لان الموجود الممكن ، كما
سبق بيانه ، لا بد له من علة تتقدم عليه . فإن كانت العلة ممكنة ، وجب أن يوجد لها
علة ، وهكذا إلى غير نهاية ، وذلك معناه التسلسل في العلل والمعلولات ، والتسلسل باطل .
فلا بد لقطع سلسلة العلل هذه ، من فرض علة ، يكون الوجود ضروريا لها ، بل تكون محض
الوجود ونفس الوجود ، وهي ، واجب الوجود لذاته .
هامش
( 1 ) الإقتصاد في الإعتقاد للغزالي 14 .
( 2 ) الإشارات والتنبيهات لابن سينا 449 .