نقاش وتفنيد وتوضيح :
والحقيقة أن المجسمة ، حيث جمدوا على ظاهر ألفاظ هذه الآيات ، من دون تحكيم للعقل ، بل
ولا تدقيق في النواحي اللغوية والنحوية ، التي لو حاولوا إعمالها ، لما وقعوا فيما
وقعوا فيه من سخف .
وان هاتين الآيتين ، كغيرهما من الآيات ، قد وجهها علماء الإسلام وأزاحوا بعض ما قد
يكتنفها من غموض ، بحيث صارت واضحة جلية منسجمة مع بقية الآيات المحكمة في كتاب
الله ، والتي تؤكد أن الله سبحانه يستحيل عليه التحيز في مكان ، أو الافتقار إليه .
أما بالنسبة للآية الأولى . فإنه يتضح معناها ، إذا التفتنا إلى أن فاعل يعلم في
الآية ، هو الله سبحانه ، وان الخطاب لجميع المخلوقات العاقلة ، وهي الملائكة والجن
والانس . وعلى ضوء ذلك يكون معنى الآية : هو الله يعلم سركم وجهركم ، سواء كنتم في
السماوات أو في الأرض ويعلم ما تكسبون .
فالآية الكريمة واردة لبيان مدى سعة حاكمية الله سبحانه ، وان هذه الحاكمية منبسطة
شاملة للكون سماواته وأرضه ، وليست واردة لبيان محدودية ذات الله سبحانه من حيث
المكان فهي على هذا ، نظير قوله تعالى : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) ( 1 ) .
وإلا لو كانت الآية واردة لبيان ما ذهب إليه المجسمة ، من أنه سبحانه في جهة هي
السماء ، فماذا يفعلون في قوله تعالى في نفس الآية وفي الأرض بعد قوله هو الله
في السماوات ؟ .
هامش
( 1 ) الزخرف 84 .