فيه : أنّ إخبارهم بكون الراوي ثقةً ، أو كذّاباً ، أو نحو ذلك ، إنّما هو أمرٌ اجتهاديٌّ
استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضاً ، انتهى .
وفيه :
أوّلا : [ أنّ ] ما ذكرناه سابقاً [ من ] أنّ العمل بأخبار القدماء في المدح والقدح
ونحوهما من أحوال الرواة ممّا أجمع عليه الفريقان - وإن اختلفوا في الجهة ، هل قول
هؤلاء القوم من باب الشهادة ، أو النبأ والرواية ، أو من باب الظنون الاجتهاديّة - وليس
[ حال ] تصحيح أخبارهم كذلك ، فالإجماع مرجّحٌ لوجوب العمل على ما أجمعوا ، وإلاّ
فلو لم يكن الإجماع موجباً للعمل به للزمت المفسدة الشنيعة من إبطال الشريعة ، كما
لا يخفى على من له أدنى بصيرة .
وثانياً : الجرح والتعديل من الأقسام الثلاثة متحقّق فيها الشهادة ، بخلاف
تصحيحهم ، فلا يتحقّق شيءٌ منها [ فيه ] .
أمّا عدم تحقّق الشهادة ؛ فلِما عرفت [ من ] أنّها عبارةٌ عن إخبار جازم في حقٍّ لازم ،
أو مشاهدة حاصلة بالسَّماع أو العلم .
وكلمات المشايخ الثلاثة في أوائل كتبهم لا يظهر منها الشهادة ، لأنّ الكلام الذي
هو أصرح في مراد المستدلّ كلامُ الصدوق في ديباجة الفقيه وهو على خلاف مقصوده
أدلّ ، لِما ذكرنا مشروحاً بما لا مزيد عليه .
أمّا قوله : " بل قصدتُ إلى إيراد ما أُفتي وأحكم بصحّته وأعتقد فيه أنّه حجّة بيني
وبين ربّي " فإنّه يدلّ [ على ] أنّ ما ذكره وصحّحه يكون من باب حكمه وفتواه ، وأنّ ما
حكم بصحّته هو المرجع والمعوَّل عليه في كونه حجّةً بينه وبين ربّه ، فكيف يستفاد
من هذه الكلمات وممّا ذكره في بيان ما حصل له - بعد بذل جهده - من اجتهاده ؛ الشهادةُ
على قطعيّة صدور الأحاديث المذكورة فيه ؟
وبعبارة أخرى : أنّ تصحيحه من باب الإنشاء والحكم ، وأنّه خارج عن الأمور
الثلاثة - أي من باب الشهادة ، والرواية ، والظنون [ الاجتهاديّة ] - .
رسائل في دراية الحديث — صفحة 274
مساهمون: أبو الفضل حافظيان البابلي
ص٢٧٤