فالفارق بين المقامين تحقّق الإجماع من المشايخ في بيان الجرح والتعديل ،
بخلاف قول مشايخ الرواة في بيان تدوين الكتب ، إذ لا إجماعَ ولا شهادةَ منهم ، بل
اتّفاقهم على خلاف ذلك ، كما عرفت بيان ذلك غير مرّة فلا حاجة إلى الإعادة .
هذا تمام الكلام في جواب ما استدلّ به شيخنا الحرّ مُستوفىً .
وأمّا ما ذكره غيره من أنّ القرائن كثير [ ة ] - إمّا حاليّة وإمّا مقاليّة - بأنّ الراوي كان ثقةً
في الرواية ؛ لم يَرْضَ بالافتراء ، ولا برواية ما لم يكن ثابتاً وواضحاً عنده - وإن كان فاسدَ
المذهب - .
ومنها : كون الراوي ممّن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه .
ومنها : أن تكون الرواية عن الجماعة الذين ورد في شأنهم عن الأئمّة ( عليهم السلام ) أنّهم
ثقات ، خذوا معالِمَ دينكم عنهم ، وهم أُمناء الله في أرضه .
ومنها : وجودها في إحدى الكتب الأربعة ، لاجتماع شهادتهم على صحّة أحاديث
كتبهم ، وأنّها مأخوذة من الأُصول المُجْمَع على صحّتها .
فجواب تلك الوجوه قد عُرف سابقاً واحداً بعد واحد ، ومرّةً بعد مرّة ؛ من أنّ
علماءَنا الأخباريّين وإن حكموا بقطعيّة جميع الأخبار المودَعة في تلك الكتب
متمسّكين بهذه الوجوه المدخولة - وبسبب ذلك صرّحوا بأنّ الاجتهاد تخريب الدين ،
والعامل بالظنّ تابع للمخالفين ، وقد عرفت جوابَ المستدلّ بهذه الوجوه
كالأستر آباديّ المتعصّب ؛ مشروحاً - فإنّ دعوى حصول القطع من القرائن مصادرة ، بل
محض مكابرة ، إذ القرائن المدَّعاة غير لازمة لتصوّر أسامي الرواة .
وعلى فرض وجود فلان الثقة في الرواية ، كيف يستلزم الحكم بوثاقة جميع
سلسلة رواة تلك الرواية المشتملة على الراوي المخصوص ؟ وإن وجدنا نادراً في
الروايات أنّ فلاناً ثقةٌ عند فلان ؛ فالاطّلاع عليه للعموم صعبٌ ، وعلى فرض حصول
الاطّلاع عليه للعامّة [ فإنّ ] حصول القطع بوثاقته من أين ؟
وأعجب منه دعوى وفور هذا النوع في أحاديث أصحابنا .
رسائل في دراية الحديث — صفحة 272
مساهمون: أبو الفضل حافظيان البابلي
ص٢٧٢