أعلمه " حتّى التفت إلى الأوّل فقال : " حديثك الأوّل أوردته كذا وإنّما هو كذا " حتّى أتى
على المائة فردّ كلّ سند إلى متنه ، فاذعنوا له بالفضل . ( 1 )
وقال بعضهم : " إنّه حكى لي شيخنا ابن كثير قال : أتى صاحب الحافظ محمّد بن
عبد الهادي إلى شيخنا الحافظ المزي ، فقال له : انتخبت من روايتك أربعين حديثاً أُريد
قراءتها عليك ، فقرأ الحديث الأوّل ، وكان الشيخ متّكئاً فجلس ، فلمّا أتى على الثاني
تبسّم الشيخ وقال : ما هو أنا ، ذلك البخاري . قال لي شيخنا : وكان هذا عندنا أحسن من
ردّ كلّ حديث إلى سنده وقد جعلوا هذا النوع من المقلوب وعندي بالمركّب أشبه ،
ولا مشاحّة في اصطلاح . ( 2 )
أقول : انّ جمّاً غفيراً من أهل هذه الصناعة لم يذكروا المركّب أصلا ، وإنّ الأجلّة
منّا قد عدّ ما في قضيّة البخاري من باب المقلوب . ( 3 )
ومنها : المنقلب ، وهو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي
فيتغيّر معناه وربّما العكس ، كالحديث الذي رواه البخاري في آخر كتابه " اختصمت
الجنّة والنار إلى ربّهما " الحديث . ( 4 )
وفيه : وأنّه ينشئ للنار خلقاً ( 5 ) انقلب على بعض الرواة وصوابه - كما رواه
في مواضع أُخرى - : " وأمّا الجنّة فينشئ الله لها خلقاً " فسبق لفظ الراوي من الجنّة
إلى النار .
ومنه حديث : " إنّ ابن مكتوم يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتّى تسمعوا أذان بلال " ( 6 )
هامش
1 . مقدّمة ابن الصلاح : 81 ، تدريب الراوي : 260 .
2 . لم نعثر على قائله .
3 . الرعاية في علم الدراية : 150 .
4 . صحيح البخاري 8 : 186 باب ما جاء في دعاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) أُمّته إلى توحيد الله .
5 . نفس المصدر .
6 . لم يوجد حديث بهذا المضمون في جوامع العامّة بل هو موجود في جوامع الشيعة الإماميّة . انظر : الفقيه
1 : 297 ، ح 906 باب الأذان والإقامة ؛ وسائل الشيعة 5 : 389 ، ح 6878 و 10 : 112 ، ح 12989 .