شرح
والظاهر من جميع ما ذكرنا أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا بحكم اختلاطهم بالكتابيين ومعاشريهم لهم يتضايقون من مبايعتهم ومعاشرتهم لاعتقادهم ان طعامهم لا يحل لهم فنزلت هذه الآية الشريفة لتحلل لهم استعمال طعامهم وأخذه منهم وترفع هذه الشبهة عن أذهانهم .
وبالجملة ليس المراد بالحلية في الآية الشريفة ما يقابل مطلق الحرمة ولو كانت عارضية بواسطة النجاسة كما في المائعات التي باشروها ( 1 )( 1 ) والشاهد على ذلك ما جاء في كتاب أحكام القرآن لعبد المنعم المتوفى سنة 599 ما نصه :
أما سائر أطعمتهم ما يمكن استعمال النجاسات فيه كالخمر ، والخنزير ، فاختلف فيه فذهب الأكثرون إلى أن ذلك من أطعمتهم وذهب ابن عباس إلى أن الطعام الذي أحل لنا ذبائحهم ، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه فيجب اجتنابه - نقلا عن تفسير المنار - ج 6 ص 202وكما في اللبن الموضوع في أواني خمورهم ، وكما في الجوامد التي باشروها بالرطوبة ، بل المراد ما هو في قبال الحرمة الذاتية فلا ينطبق الا على الحبوب ونحوها من الجامدات فلم يبق إلا الذبيحة ، فلو قلنا بشمول الآية الشريفة لذبيحتهم فذلك أمر آخر وهو حلية ذبيحتهم بدعوى عدم اشتراط الإسلام ( 2 )( 2 ) كما جاء في العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ج 2 ص 97 ما نصه : سئل في ذبيحة الحربي الكتابي هل تحل مطلقا أو لا ؟ الجواب : تحل ذبيحة الكتابي لان من شرطها كون الذابح صاحب ملة التوحيد حقيقة كالمسلم ، أو دعوى كالكتابي ولأنه مؤمن بكتاب من كتب اللَّه تعالى وتحل مناكحته فصار كالمسلم في ذلك ولا فرق في الكتابي بين ان يكون ذميا يهوديا حربيا أو عربيا أو تغليبا لإطلاق قوله تعالى : « : « وطَعامُ . » إلخ » والمراد بطعامهم ذكاهم .في الذابح في حصول التذكية وحلية الذبيحة وعدم كونها ميتة فإن ذلك أمر آخر لا دخل له فيما هو المدعى من طهارة أبدانهم .
على انا نقول : إن الذبيحة غير مشمولة للآية الشريفة ، لأن ذبيحتنا ليست حلالا لهم لأنهم يستحرمون ذبيحتنا ، فلا تدخل في قوله تعالى : « وطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ » ولازمه أن لا تدخل في قوله تعالى : « وطَعامُ الَّذِينَ . » إلخ إلا أن يدعى دخولها في طعامنا بحمل حليتها لهم على حليتها في الشريعة الإسلامية وإن كانت حراما عليهم