شرح
ويقصر تعارض الأصول على الانتهاء إلى المخالفة القطعية للتكليف المعلوم ، فربما يورد عليهم : هنا إن لازم ذلك الانحصار هو جريان كل من استصحاب طهارة الأعضاء واستصحاب نجاستها ، إذ لا يلزم من ذلك المخالفة القطعية لتكليف إلزامي في البين .
وهذا الإيراد صحيح لو كان المانع منحصرا بذلك ، ولكنه ليس بمنحصر لوجود مانع آخر في المقام ، وهو لزوم الأعضاء التي هي موضوع واحد . ومن البديهي يلزم القول بمانعية هذا الأمر من الجمع بين الأصلين ، ولو لم يكن في البين مخالفة عملية . والحاصل أن الاستصحابين يجريان ما دام لم يلزم من ذلك مخالفة عملية ، أو تناقض في حكم موضوع واحد ، ومع لزوم التناقض يسقطان للمعارضة ، ويكون المرجع بعد التساقط هو قاعدة الطهارة .
وربما يتخيل سقوط الاستصحابين لأجل أنه من الفرد المردد بين ما هو مقطوع البقاء أو الارتفاع ، لأن الطهارة المستصحبة وكذلك النجاسة إن كانت بعد العملية الأولى فقد ارتفعت يقينا ، وإن كانت بعد العملية الثانية فقد بقيت يقينا ، فيكون المستصحب فردا مرددا بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع ، والقدر الجامع لا أثر له .
ولكن قد عرفت أن ذلك مختص بما لو كان المتيقن مختلفا بالهوية - كالبق والفيل - أما لو كان الحيوان واحدا وكان التردد في بقائه وارتفاعه ناشئا عن اختلاف المكان ، بمعنى أنه لو كان في داخل الدار فهو موجود قطعا ، ولو كان خارجه فهو معدوم قطعا ، فهو ليس من القسم الثاني ، كما عرفت في مسألة ما لو أريق الكبير من الإناءين المعلوم إطلاق أحدهما وإضافة الآخر . وهكذا لو كان التردد ناشئا عن اختلاف الزمان ، فهو ليس من القسم الثاني ، وذلك - كما نحن فيه - فان الطهارة لو كانت في الزمان الأول - أعني بعد العملية الأولى - فقد ارتفعت قطعا ، ولو كانت في الزمان الثاني - وهو بعد العملية الثانية - فقد بقيت قطعا ، ففي ذلك لا يكون المستصحب إلا شخصا واحدا مرددا من حيث الزمان فلا يكون من قبيل الفرد المردد بحسب ذاته