كان فتوى أحدهما الوجوب وفتوى الآخر الحرمة فلا مجرى للبراءة ، وحينئذ فيتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال التعيين . وهو غير وجيه سواء قلنا بالطريقية أم بالسببيّة : أمّا على الأوّل ، فلأنّ التخيير بين الفعل والترك عقلا ليس بملاك لزوم الموافقة الاحتمالية ، حتى يقال بتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال الأهمّية في أحد الطرفين ، بل الموافقة الاحتمالية قهرية ، والمراد من حكم العقل بالتخيير مجرد إذعان العقل وتصديقه بأنّه لا حرج في فعله وتركه ، لعدم تنجّز التكليف المعلوم ، لعدم القدرة على مراعاته ، فالعلم بالأهمّية غير موجب للتعيّن فضلا عن احتمالها . وأمّا على الثاني : فلأنّ المقتضي للموضوعية والسببية هنا ثبوت الملاك لكلا الحكمين ، فالتخيير عقلي ، لعدم القدرة على إحراز الملاكين الملزمين في ذاتهما ، بخلاف دوران الأمر بين المحذورين ، فإنّه لا علم إلَّا بتكليف واحد ، حيث لا موجب لفعليتهما في حد ذاتهما ، فلا مجال للتخيير العقلي بالمعنى المعروف . ثمّ إنّ فائدة هذا الأصل بعد الأصل الأوّلي إنّما تظهر للمفتي لا للعامّي ، فله أن يفتي العامي بالرجوع إلى غير الأفضل إذا لم يجد دليلا على تعيّن الأفضل . وأمّا المقام الثاني : فقد استدل لتعيين الأفضل بوجوه : منها : مقبولة عمر بن حنظلة ( 1 ) الآمرة بالأخذ بالأفقه عند الاختلاف ، والاستدلال بها من وجهين : أحدهما من جهة الملازمة بين الحكم والفتوى ، مع تسليم اختصاص موردها بالحكم كما ادّعاها جماعة . وثانيهما من جهة شمول الحكم بنفسه للفتوى ، بدعوى أنّها وإن كانت في
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 50
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٥٠
هامش
( 1 ) الوسائل : ج 18 ، باب 9 من أبواب صفات القاضي ، ح 1 .