بين تعدد الملاك وشدّته ، وعلى أي حال الإرادة غير قابلة للرفع ، حيث إنّها صفة نفسانية قهرية توجد بمبادئها لا بالاختيار ، فلا وضع لها ولا رفع فضلا عن رفع شدّتها ، واستصحابها بحدها الضعيف إنّما يجدي لو ترتب عليها أثر شرعي مع سبق اليقين بحدّها الضعيف واحتمال تبدله بالقوي ، لا ما إذا دار الأمر بين القوي والضعيف من الأول ، وإن كان الحكم هو البعث الاعتباري المنتزع من الإنشاء بداعي جعل الداعي فهو غير قابل للشدة والضعف ، فشدة الملاك وتعدده في عرض واحد لكنه كالإرادة في عدم تعقل تعلَّق بعثين بموضوع واحد ، وحيث إنّ المفروض تماميّة مقتضى الحكمين الفعليين في الطرفين ، غاية الأمر إنّهما حكمان فعليان يجوز ترك كل منها إلى بدل عقلا ، فمع ثبوت الحكم الفعلي في المورد لا يعقل حكم فعلي آخر بملاك آخر ، فمرجع احتمال الأهمية مطلقا إلى احتمال تعيينية هذا الحكم الفعلي بالخصوص ، وبعبارة أخرى صيرورة الفعلي التعييني بذاته تعيينيا بالفعل لعدم المعارض ، فلا يحتمل حكم فعلي حتى يرفع .
نعم رفع العقاب عن هذا المحتمل بالخصوص عقلا ونقلا أمر ممكن ، وليس المقام على الفرض مقام التوصل بالطريق في تحصيل الواقع المردد كما كان بناء على الطريقية ، حتى لا تجدي أصالة البراءة في جواز الاقتصار على مشكوك الحجيّة والطريقيّة ، بل الطلب الخطابي بالإضافة إلى كلّ واحد ثابت ، وفعليّتهما معا غير معقول ، لعدم القدرة على امتثالهما ، وأصالة البراءة عن العقوبة على ترك كلّ منهما بالخصوص محكمة ، فيحكم العقل بالتخيير ، لما عرفت من أنّ مجرّد احتمال الأهمية لا يخرجهما عن التساوي ، لعدم احتمال العقوبة على ترك المحتمل بالخصوص . فالأقوى حينئذ هو التخيير بين تطبيق العمل على فتوى الأفضل وفتوى المفضول على خلاف المبنى الأوّل .
وعن بعض الأعلام أنّ التخيير هنا من باب التخيير بين المحذورين ، إذا
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 49
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٤٩