الواضح أنّ منجّزيّة الفتوى المعمول على طبقها ومعذّريتها لا تمنع عن منجّزيّة الأخرى ومعذّريتها ، وكلّ منهما في عرض الأخرى ، وليس هناك حكم بنحو التخيير من الشارع غير هذين الحكمين أعني الحجيّة الثابتة لكلّ منهما ، بل الأمر كذلك لو قلنا بأنّ الطريقيّة جعل الحكم المماثل على طبق الموافق للواقع ، فمع فرض بقاء الحكم في صورة التعارض يكون الحكم المماثل على طبق الراجح أو على طبق كلّ منهما تخييرا ، فكما أنّ مرجع الأمر بالأخذ بالأعدل جعل الحكم على طبقه فعلا ، كذلك مرجع الأمر بالتخيير بقوله عليه السلام : ( إذن فتخيّر ) ( 1 ) إلى جعل الحكم على طبق كلّ من الخبرين تخييرا ، فلا حاكم ولا محكوم أيضا ، كما أنّ استصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه . نعم إن قلنا بلزوم الالتزام بالحكم ، فالحكم بالالتزام بهذا أو ذاك أمر ، ووجوب القصر أو وجوب الإتمام أمر آخر ، فيتحقق هناك حاكم ومحكوم ، إلَّا أنّ وجوب الالتزام بالحكم لو ثبت فإنّما هو في مسألة التقليد لا في العمل بالخبرين أيضا ، مع ما عرفت سابقا من أنّ التقليد كما تقتضيه أدلته هو العمل لا الالتزام ، مضافا إلى أنّه لا معنى للالتزام إلَّا بالحكم الفعلي ، ولا يعقل أن يكون كلا الحكمين بنحو التعيين فعليّا ، لمكان المعارضة ، فلا محالة تحقيقا للالتزام بهذا أو ذاك يجب أن يكون الحكمان فعليين تخييريين ، وعليه فاستصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه ، بل مقتضى الاستصحاب بقاء كلّ من الحكمين على ما هو عليه ، مضافا إلى أنّ فرض الحكومة الاصطلاحية هنا لا يخلو من إشكال وإن تكرر ذكرها في كلماته ( قدّس سرّه ) فقها وأصولا ، وذلك لأنّ جواز الالتزام بالحكم المفتي به بالإضافة إلى الحكم المأخوذ كالحكم بالإضافة إلى موضوعه ، وليس الحكم المأخوذ مترتبا شرعا على
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 150
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص١٥٠
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 3 ، باب 9 صفات القاضي ، ح 2 .