الحجج المعصومين ، كما لا يخفى على من تتبع تاريخ الفقه والحديث ، وقد عثرنا في
أثناء تتبعنا على مواضع كثيرة يستكشف فيها من فتاوى الأصحاب وجود نص
واصل إليهم من دون أن يكون منه في الجوامع التي بأيدينا عين ولا أثر .
فتلخص مما ذكرنا أنّ مسائل الفقه على قسمين : فبعضها أصول متلقاة عنهم ( عليهم السلام )
وقد ذكرها القدماء في كتبهم المعدة لنقلها ، ويكون إطباقهم في تلك المسائل بل
الاشتهار فيها حجة شرعية لاستكشاف قول المعصوم ( عليه السلام ) بذلك ، وبعضها تفريعات
تستنبط من تلك الأصول بإعمال الاجتهاد ، ولا يكون الإجماع فيها فضلا عن
الشهرة مغنياً عن الحق شيئاً .
ولا يخفى أن الاجتهاد عند أصحابنا الإمامية ليس إلاّ استقصاء طرق الكشف
عن قول المعصوم واستنتاج الأحكام من آثارهم واستنباط الفروع من الأصول
المأثورة عنهم ، نعم الاجتهاد عند العامة يخالف ما ذكر ، فإنّه عندهم دليل مستقل في
قبال سائر الأدلة الشرعية ، ولذلك كانوا في كتبهم الأصولية يذكرونه في فصل
مستقل .
فالاجتهاد عندنا عبارة عن استفراغ الوسع في استنباط الأحكام الشرعية عن
أدلتها ، وأما عندهم فدليل في قبال سائر الأدلة .
بيان ذلك أنهم لما لم يقرّوا بإمامة أئمتنا وحجية أقوالهم ولم يكن الأخبار النبوية
وافية بالفقه احتاجوا إلى استنباط أحكام الوقائع بالقياسات ، وحيث لم يف القياس
أيضاً بذلك لجأوا إلى الاستحسانات الذوقية والحكم على طبق المصالح والمفاسد
المظنونة ، فهذا هو المراد بالاجتهاد عندهم . فالاجتهاد عندنا ليس إلاّ تطبيق
الأصول المأثورة على الموارد ، وعندهم إعمال النظر في النظائر والملاكات المظنونة
ليقاس عليها ويحكم على وفقها ، والأخبار الواردة في ذمّه ناظرة إلى ما هو المعهود
عندهم من تفويض الواقعة إلى الفقيه حتى يحكم فيها على وفق ما يبدو في نظره من
الملاكات . وكيف كان فمستندنا في الفقه ليس إلاّ الأخبار المأثورة وما بحكمها
البدر الزّاهر في صلاة الجمعة والمسافر ، تقريراً لأبحاث السيد حسين الطباطبائي البروجردي — صفحة 21
مساهمون: الشيخ حسين علي المنتظري
ص٢١