شرح
الآخر : أي انه مع الاتيان بأحد هذه الواجبات لا يبقى مجال لاستيفاء الغرض من بقيتها . وهذا هو الفرق بين هذا الوجوب التخييري والوجوب التعييني فإنه لا يجوز تركه لأن غرضه لازم الاستيفاء وليس مزاحماً بغيره بحيث لو أتى بغيره لا يمكن استيفاؤه ويكون هذا هو الملاك للقول الثالث : وهو ان الواجب التخييري هو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما فيما إذا كان التخيير بين شيئين ، ووجوب كل منها مع السقوط بفعل أحدها إذا كان التخيير بين أشياء ، ولا يكتفى بهذا المقدار في إتمام الواجب التخييري ، فإنه بهذا البيان وان خرج التخيير العقلي في وجوب الطبيعة الواحدة ذات الافراد لفرض تعدد الاغراض فيتعدد الواجب ، إلاّ ان الغرض في أحدها إذا كان يسقط بفعل الآخر كان الغرض في كل منها لزوميا لفرض كونه غرضا يدعو إلى الوجوب ، فاللازم الامر باتيانهما دفعة واحدة لأن الغرض في كل منهما لازم وبإتيان أحدهما منفرداً لا يبقى مجال لاستيفاء الغرض من الآخر الذي هو لازم أيضا ، فحفظاً لتحصيل الغرضين اللازمين ينبغي الامر باتيانهما معاً دفعة واحدة ، ولا يقول بهذا أحد في الواجبات التخييرية التي يمكن الاتيان بها دفعة واحدة ، فينبغي تتميمه بان يقال : ان الغرض في كل واحد منهما غير الغرض من الآخر ، ولا يكون بحصول أحدهما يمتنع حصول الغرض من الآخر ولكن هناك مصلحة دعت إلى الاكتفاء بأحدهما ، فلا مانع من الاتيان بهما واحدا بعد واحد ولا يجب الامر بهما دفعة واحدة ويجوز الاكتفاء بأحدهما ، ويكون مراده من قوله : ( ( يكون في كل واحد منهما لا يكاد يحصل . . . ) ) إلى آخر كلامه انه لا يكاد يحصل الغرض مع التحفظ على المصلحة الداعية إلى الترخيص في ترك الآخر ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ثم إنه إذا كان لكل واحد من الواجبين غرض غير الغرض من الآخر فلا يخلو الحال عن احتمالات كلها غير خالية عن الاشكال : =
= الأول : ان يكون الغرضان بحيث لا يمكن استيفاء أحدهما مع استيفاء الآخر بمعنى انه بعد حصول الغرض من أحدهما لا يمكن استيفاء الغرض من الآخر ، فلازم ذلك الامر بهما بايجادهما دفعة واحدة لفرض كون كل واحد من الغرضين لازماً ، وبعد وجود أحدهما لا يمكن وجود الآخر فلا مناص عن لزوم الامر بايجادهما دفعة واحدة .
الثاني : ان يكون الغرضان متزاحمين ومع ذلك لا يمكن اجتماعهما في زمان واحد بحيث يكون حصول الغرض من أحدهما مقيدا بعدم وجود ، ولازم ذلك النهي عن الاتيان بهما دفعة واحدة مضافاً إلى انهما يكون التخيير بينهما عقلياً ، لأن المتزاحمين تارة يتزاحمان لعدم القدرة على الجمع بينهما كانقاذ غريقين لا يقدر على إنقاذهما معا ، وأخرى يكون التزاحم بينهما في الملاك وكما أن التخيير بينهما في الصورة الأولى عقلي كذلك التخيير بينهما في الصورة الثانية عقلي أيضاً .
الثالث : ان لا يكون الغرضان متزاحمين ملاكا ولا يكونا بحيث إذا حصل أحدهما يمنع عن استيفاء ، بل يكونان بحيث إذا حصلا معا لا يترتب عليهما إلاّ غرض واحد كما إذا انفرد كل منهما ، وعلى هذا فالتخيير بينهما وان كان شرعياً الا ان لازم ذلك التخيير بين ايجاد كل منهما منفردا وبين ايجادهما معا .
وهناك احتمال رابع وهو ان يكون الغرضان لازمين في حد ذاتهما وليس بينهما تزاحم ولا ان استيفاء أحدهما يمنع عن استيفاء الآخر ولا انهما إذا اجتمعا لا يترتب عليهما الا غرض واحد بل كان هناك مصلحة دعت إلى الترخيص في ترك أحدهما كمصلحة التسهيل أو غيرها ، وهذا ينطبق على الواجبات التخييرية فان التخيير شرعي لا عقلي .
ولا يرد عليه انه خلاف ظاهر الواجب التخييري فان ظهوره ليس هو الا كون كل واحد منهما واجبا يجوز تركه إلى بدل . ولا يرد عليه ان لازم ذلك ترتب عقابين على تركهما معا لوضوح ان لازم الترخيص في ترك كل منهما إلى بدل هو العقاب الواحد على تركهما . ( منه قدس سره )