شرح
وهذا الوجه يمكن المناقشة فيه أولاً من جهة الصغرى مع تسليم الكبرى ، وهو ان غلبة الاستعمال توجب استيناس الذهن لكثرة حصوله في الذهن بسبب كثرة الاستعمال فيه ، واستيناس الذهن بالمعنى يوجب حضوره وانصراف الذهن اليه عند سماع اللفظ الذي كثر استعماله في ذلك المعنى ، إلاّ ان الصغرى ممنوعة لأن استعمال الصيغة في الوجوب ليس بأكثر من استعمالها في الندب ، إذا لم يدّع مدّعٍ ان الاستعمال في الندب أكثر .
ويمكن أيضا منع الكبرى بدعوى ان مطلق أكثرية الاستعمال لا توجب الانصراف ، بل لابد من بلوغها إلى مقدار بحيث يستأنس الذهن به ، ولم يعلم بلوغها إلى هذا المقدار الموجب للاستيناس الذي يلزمه انصراف الذهن إلى المعنى بمجرد سماع اللفظ .
الوجه الثاني : هو كثرة وجود الواجبات بالنسبة إلى الافراد الندبية فكثرة الوجود توجب ظهور اللفظ في الأكثر وجوداً .
وهذا الوجه مخدوش كبرى وصغرى ، اما الكبرى فلان كثرة الوجود لا توجب الظهور اللفظي انصرافا ، فان الموجب للانصراف هو استيناس الذهن بحضور المعنى كثيراً عنده مستفادا من اللفظ ، واما كثرة الوجود فلا توجب استيناساً للذهن وربطا شديدا بين اللفظ والمعنى ، واما الصغرى فممنوعة أيضا لوضوح ان افراد الندب المستفاد من الصيغة إذا لم يكن أكثر من افراد الوجوب المستفاد منها فهو ليس بأقل من الوجوب .
الوجه الثالث : ان الموجب للظهور هو كون الوجوب أكمل من الندب ، فان الوجوب هو تأكد الإرادة بحيث لا يرضى بتركه ، ومن المعلوم ان شدة الوجود وتأكده كمال في الوجود .
وهذا الوجه ممنوع كبرى لا صغرى ، فانا نسلم ان الإرادة الوجوبية آكد وأشد وأكمل في الوجود من الإرادة الندبية ، ولكن نمنع كون الأكملية توجب الظهور ، فان الظهور مربوط بعالم الالفاظ والاستعمال ، ولا ربط له بأكملية الوجود ، وقد أشار المصنف إلى الوجوه الثلاثة بقوله : ( ( قيل بظهورها ) ) : أي الصيغة ( ( فيه ) ) : أي في الوجوب ( ( اما لغلبة الاستعمال فيه ) ) : أي في الوجوب وهو الوجه الأول ( ( أو لغلبة وجوده ) ) : أي وجود الوجوب وهو الوجه الثاني ( ( أو أكمليته ) ) وهو الوجه الثالث ، وقد أشار إلى المناقشة في هذه الوجوه بقوله : ( ( والكل كما ترى ) ) .
وقد ناقش في الأول والثاني بمنع الصغرى ، فقال : ( ( ضرورة ان الاستعمال في الندب وكذا وجوده ) ) : أي وجود الندب ( ( ليس بأقل لو لم يكن أكثر ) ) فأغلبية الاستعمال في الوجوب ممنوعة ، وكثرة وجود الوجوب أيضا ممنوعة ، فان الندب إذا لم يكن أغلب استعمالاً وأكثر وجودا فلا أقل من تساويه مع الوجوب استعمالا ووجوداً ، وناقش في الوجه الثالث فقال : ( ( اما الأكملية فغير موجبة للظهور . . . إلى آخر كلامه ) ) .