فانقطع سؤال : إنه لم جعل السعيد سعيدا والشقي شقيا ؟ فإن السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي كذلك ، وإنما أوجدهما الله تعالى ، قلم اينجا رسيد سر بشكست . . . قد انتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الافهام ، ومن الله الرشد والهداية وبه الاعتصام ( 1 ) .
شرح
( 1 ) لا يخفى ان نفس القدرة والاختيار هو من الله تبارك وتعالى فإنه فاعل الوجود ، وهذا الاختيار وهو القدرة على أن يشاء فيفعل وان لا يشاء فلا يفعل موجود قبل صدور الفعل في الخارج بالقوة ، وعند صدور الفعل في الخارج لابد وأن يكون علته وهي القدرة والاختيار تخرج من حد القوة إلى الفعل ، فان العلة ما لم تكن بالفعل لا يكون الفعل الذي هو معلول القدرة والاختيار بالفعل ، وخروج هذه القدرة من حد القوة إلى الفعل يكون العلة فيها - ولو بنحو العلة الاعدادية - هو الملائمة للنفس ، فإن كان الشخص من أهل التقوى يكون من ملائماته فعل الخير والإطاعة ، وان كان من ذوي الشقاء تكون ملائماته الشر والكفر والعصيان ، ففي مقام فعلية القدرة والاختيار لترجيح أحد طرفي الفعل من الوجود والعدم تتدخل الشقاوة والسعادة ، فان ملائم السعيد الخير وملائم الشقي الشر ، وقد عرفت انه لا يضر ان يتقدم على الاختيار أمور غير اختيارية فلا تضر في صدور الفعل الاختياري بالاختيار . هذا هو مراده من قوله : ( ( قلت العقاب انما يتبع الكفر والعصيان ) ) لصدورهما عن المكلف بالاختيار فإنهما من ( ( التابعين للاختيار ) ) لأن العلة في صدورهما هو الاختيار ، فهما تابعان له وموصوفان بأنهما من الأفعال الاختيارية الصادرة بالاختيار ، وان كان نفس الاختيار بالفعل لجهة الشر من الكفر والعصيان ينشأ عن مقدمات تقتضي ترجيح الشر وهي كونه ملائماً له ، والسبب في هذه الملائمة - ولو بنحو الاعداد أيضا - هو نفس شقاوته التي هي من ذاتيات الشخص وملازمات ذاته اللازمة لخصوص ذاته ، وكذلك السعيد فإنه يفعل الفعل بالاختيار لملائمة الخير لذاته التي سببها هو سعادة ذاته .