إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان ، بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد ، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا ( 1 ) .
شرح
وراء هذا . وقد ظهر أيضا : ان متعلق الإرادة التشريعية لا يضر تخلفه عنها إذا لم يؤمن الكافر ولم يطع العاصي . وقد ظهر أيضا : ان الداعي واحد في الكافر والمؤمن والمطيع والعاصي ، لأن الامر في الجميع انما هو لكون متعلقه ذا مصلحة ترجع إلى نفس المكلف .
نعم ، نفس فعل المكلف بما انه موجود من عالم الموجودات الكونية ، ومفيض الوجود هو الله تعالى وحده ففعل المكلف بما انه لو تحقق لكان موجودا من الموجودات يكون متعلقا للإرادة التكوينية ، فان سبق تعلق الإرادة التكوينية به فلابد من تحققه فتتحقق الإطاعة والايمان ، وان لم يكن قد سبق تعلق الإرادة التكوينية به فلا يتحقق ويتحقق الكفر والعصيان .
نعم ، ظاهر عبارة المصنف هنا ان الإرادة التكوينية هي نفس العلم بالصلاح المتعلق بالنظام الكامل الكوني التام ، وان الإرادة التشريعية هي نفس العلم بالصلاح الخاص الراجع إلى نفس المكلف ، وقد عدل عنه في ما يأتي قريباً ، فإنه سيصرح بان العلم يتحد مصداقاً مع الإرادة فيه تبارك وتعالى ، لا أن مفهوم الإرادة والعلم واحد ، واختلافهما هو الصحيح ، لأن العلم غير الإرادة فان العلم هو الحضور والإرادة هي الشوق المؤكّد .
( 1 ) لما قال المصنف في آخر كلامه : فإذا توافقتا فلابد من الإطاعة وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان لم يحتج ما ذكره بقوله : ان قلت إلى تقديم مقدمة للايراد ، ولو اكتفى بالفرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية لاحتاج هذا الايراد إلى مقدمة ، وهي انه ولو كان فرق بين الإرادتين الا ان فعل العبد من الموجودات ، وكل موجود لابد وأن يكون مسبوقا بالإرادة التكوينية ، وما لا يوجد فلابد وان لا يكون متعلقا للإرادة الربانية ، فإن كان الكفر عدم الايمان