مرتبة المرجّحات من حيث التّقديم والتّأخير عند اجتماعها واختلافها من حيث وجود بعضها في أحد المتعارضين وبعضها في الآخر إذا اختلفا جنسا فإنّ تقديم بعضها على بعض مع الاتّحاد جنسا كما إذا كانا من المرجّحات الصّدوريّة مثلا موكول إلى نظر الفقيه إلَّا أنّ شيخنا العلَّامة قدس سره يتكلَّم في تعارض المرجّحات من حيث الدّلالة كما ستقف عليه بحسب المرجّحات النّوعيّة من جهة انضباطها بخلاف غيرها من المرجّحات كما ستقف عليه والكلام من الجهة المزبورة قد يقع في نسبة المرجّح من حيث الدّلالة مع غيره من المرجّحات الثّلاثة وقد يقع في نسبة سائر المرجّحات بعضها مع آخر فالكلام يقع في موضعين
أمّا الموضع الأوّل فملخّص القول فيه أنّه لا إشكال بل لا خلاف عند بعض بل الإجماع عليه عند آخر في تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على سائر المرجّحات على ما هو مقتضى الأخبار أيضا كما عرفت الإشارة إليه فإنّ مصبّ التّرجيح بها في الأخبار العلاجيّة المذكورة في الكتاب سؤالا وجوابا كما لا يخفى على من أعطى حقّ النّظر فيها فيما لم يمكن رفع التّعارض بين الخبرين بجعل أحدهما بالخصوص قرينة على المراد من الآخر بحكم العرف حتّى يتحقّق هناك التّحيّر المحوج إلى السّؤال بلفظة أيّ هذا مضافا إلى قوله عليه السلام فيما مرّ عليك من الأخبار أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا الحديث بالتّقريب الَّذي عرفت الإشارة إليه وقوله عليه السلام إنّ أمر النّبي صلى الله عليه وآله كما مر القرآن فيه عام وخاصّ ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ الحديث وقوله عليه السلام إنّ في كلامنا محكما ومتشابها فردّوا متشابهها إلى محكمها الحديث بناء على إرادة المؤوّل من المتشابه وهذا كما ترى من إقرار الجمع الَّذي عرفت تقديمه على الطَّرح مطلقا وإن كان من التّرجيح بحسب الدّلالة حقيقة لعدم التّنافي بينهما أصلا على ما أسمعناك شرح القول فيه في المراد من القاعدة وإن شئت قلت في تقريب المدّعى إنّ وجوه التّراجيح لا يجعل الرّاجح أعلى ممّا يقطع بصدوره إذا عارضه ما كان أقوى منه دلالة كالخبر المتواتر اللَّفظي والكتاب إذا كانا عامّين أو مطلقين وكان هناك ما يوجب تخصيصهما أو تقييدهما وإن كان موافقا للعامّة إذا كان طريقه من الآحاد الغير المحفوف بالقرينة القطعيّة على ما بنينا عليه الأمر في مسألة
حمل العام على الخاصّ من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وإلَّا فيخرج عن مسألة التّعارض كما هو ظاهر
ثمّ إنّ المخالف في المسألة كالشّيخ قدس سره في الإستبصار والعدّة لما كانت كلماته مختلفة في باب التّعارض وبناء العام على الخاصّ ككلام المحقّق القمّي قدس سره لم ينظر إلى مخالفته فلا يوهن الإجماع المدّعى في كلام غير واحد على تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة على سائر وجوه التّراجيح بملاحظته كيف وكلام الشّيخ قدس سره يشمل تعارض النّص والظَّاهر مع أنّك قد عرفت خروجه عن مسألة التّعارض حقيقة ولك أن تقول في تقريب المدّعى مرّة أخرى أنّ الأخذ بدليل التّعبّد بالصّدور مثلا بالنّسبة إلى الظَّاهر والأظهر ليس هناك ما يزاحمه أصلا فإنّ رفع اليد عن أصالة الظَّهور في الظَّاهر إذا كان مستندا إلى ما هو القرينة الصّارفة عن الظَّهور بحكم العرف وهو الأظهر فليس هناك طرح لأصالة الظَّهور ضرورة كونها تعليقية بالنّسبة إلى القرينة فلا دوران حقيقة بين طرح الظَّهور في الظَّاهر وطرح دليل الصّدور في الأظهر كما هو الشّأن في الظَّاهرين فحال الأظهر حال النّص الظَّني بحسب الصّدور من حيث رجوع معنى دليل التّعبّد بصدوره إلى جعله قرينة للظَّاهر وإن افترقا من حيث إمكان التّصرّف في الأظهر بخلاف النّص ومن هنا حكمنا فيما أسمعناك في شرح قاعدة أولويّة الجمع على الطَّرح بثبوت الأولويّة فيما كان أحد الدّليلين صالحا لصيرورته قرينة للآخر بحكم العرف وأهل اللَّسان ومنعها في غيره كما في الظَّاهرين وإن حكمنا بعدم أولويّة للطَّرح على الجمع أيضا بالنّظر إلى دليلي التّعبّد بالصّدور والدّلالة من غير فرق بين صور تعارض الظَّاهرين حتّى فيما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما ولو فيما كان لكلّ من المتعارضين مادّة سليمة كما في العامّين من وجه حيث إنّ الطَّرح فيه يوجب التّبعيض الظَّاهري في الصّدور ومن هنا توهّم
تقديم الجمع فيه على الطَّرح بل لم يستبعد أولويّة الطَّرح في الظَّاهرين مطلقا فيما آل الجمع إلى الحكم بالإجمال والرّجوع إلى الأصل من حيث إنّه يؤول إلى طرح دليل التّعبّد بالصّدور والدّلالة معا فراجع إلى ما ذكرنا ثمّة حتّى تقف على حقيقة الأمر وممّا ذكرنا كلَّه في المقام وفيما تقدّم في شرح قاعدة الجمع يظهر تطرّق المناقشة إلى ما أفاده شيخنا قدس سره من الإشكال فيما يحصل الجمع بالتّصرّف في أحدهما بقوله نعم يبقى الإشكال في الظَّاهرين اللَّذين إلخ فإنّه يظهر منه كون جريان قاعدة الجمع فيه مطلقا أولى من جريانها فيما يتوقّف الجمع على التّصرف في المتعارضين مع أنّك قد عرفت مساواتهما من حيث جريانها هذا
وقد وقفت بعد ما أسمعناك في تحقيق المقام تبعا للقوم على كلام لبعض أفاضل العصر فيما أملاه في المسألة يخالف فيه كلام القوم من تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على غيره من المرجّحات مطلقا في خصوص المرجّح من حيث جهة الصّدور فحكم بتقدّمه على المرجّح من حيث الدّلالة بحسب المرتبة بل زعم ذهاب الأكثر بل المعظم إلى ذلك في الفروع في موارد تعارض الأخبار وعلاجه بل صرّح في طيّ كلامه على المعاملة المذكورة بين النّص والظَّاهر أيضا فضلا عن الأظهر والظَّاهر لا بأس بنقله والإشارة إلى ما يتوجّه عليه قال رحمه الله بعد الإشارة إلى ما اختاره سابقا في طيّ بيان قاعدة الجمع من تقديم المرجّح من حيث الدّلالة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 51
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٥١