تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الَّذي ذكره شيخنا قدس سره في الكتاب عقيب نفي التّخيير في تعادل أقوال أهل اللَّغة فيما اجتمع شرائط الحجّيّة وأهل الرّجال والحكم بالتّوقف والرّجوع إلى الأصل بقوله إلَّا أنّه إن جعلنا الأصل من المرجّحات إلخ التّفكيك بين حكم صورتي وجود المزيّة وعدمه وسنوقفك على ما هو الحقّ والصّواب في باب التّرجيح وإن كان مقتضى الأصل فيما لم يقم هناك دليل على التّرجيح إجراء حكم التّعادل فافهم وينبغي التّنبيه على أمور الأوّل : أنّه قال العلَّامة قدس سره في محكي التّهذيب وغيره في غيره بل نسب إلى الأكثر بل إلى المشهور إذا اتّفق تعادل الخبرين للمجتهد يفتي بما اختاره ولا يفتي بالتّخيير للعامي وكذا إذا اتّفق التّعادل للقاضي في الشّبهة الحكميّة أو في طريق فصل الخصومة الرّاجع إلى الحكم الشّرعي حقيقة يقتضي بما اختاره ولا يجوز له تخيير المتخاصمين هذا ما حكي عنه وعن غيره أمّا ما أفاده بالنّسبة إلى القاضي فممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه بل لا يعقل الخلاف لأنّ تخيير المتخاصمين نقض لغرض تشريع القضاء وفصل الخصومة بين النّاس لأنّ كلا من المتداعيين يختار ما ينفعه ويطابق دعواه فإذا وقع النّزاع في منجّزات المريض أو الحبوة أو مقدارها مثلا وتعادلت الأخبار الواردة في هذه في نظر المجتهد المرجع للمتداعيين وفوّض حكمه باختيارهما فكلّ يختار ما يطابق دعواه فيبقى الخصومة بحالها وهو من هذه الجهة نظير تخيير المجتهد في عمل نفسه فإنّه بعد مشروعيّة التّخيير والفراغ عن ثبوته في الشّرع كان ثبوته في حقّه متيقّنا من دليل الثّبوت فلا يعقل الإنكار لكون عدمه خلفا حقيقة ومن هنا قد يناقش فيما أفاده شيخنا العلَّامة في تحرير حكم المسألة وبيانه بقوله ثمّ إنّ المحكي عن جماعة بل قيل إنّه ممّا لا خلاف فيه أنّ التّعادل إن وقع للمجتهد كان مخيّرا في عمل نفسه فإنّه يوهم كون الحكم نظريّا قابلا للخلاف وأمّا : ما أفاده بالنّسبة إلى المجتهد في مقام الإفتاء فيوجّه بما في الكتاب وغيره بأنّ التّخيير بين الخبرين تخيير في المسألة الأصوليّة وفي طريق الاستنباط فهو يغاير التّخيير في المسألة الفرعيّة كالتّخيير الواقعي بين القصر والتّمام في المواطن الأربعة والظَّاهري كدوران الأمر بين الوجوب والتّحريم أو خصال الكفارة إذا اقتضى الجمع بين الأخبار التّخيير بين الكفّارات ظاهرا وهكذا حيث يفتي بالتّخيير في هذه والفرق أنّ الخطاب في المسألة الأصوليّة متوجّه بالمستنبط والمجتهد كخطاب الحدود المتوجّه إلى الحكَّام وخطاب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر المتوجّه إلى النّبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام في زعم بعض فلا تعلَّق لهذا الحكم المستنبط من أخبار العلاج بالعامي وهذا بخلاف الحكم الفرعي فإنّ موضوعه فعل المكلَّف الأعمّ من المجتهد والعامي فالخطاب مشترك بينهما فإن شئت قلت إنّ الخطاب بالتّخيير كالخطاب بالتّرجيح فكما أنّ الثّاني مختصّ بمن يعالج تعارض الأخبار ولا يشمل غيره كذلك الأوّل مختصّ به لأنّه نوع من العلاج أيضا ومن هنا يحكم بتقديم نظر المجتهد فيما لو خالفه العامي في التّرجيح فزعم مرجوحيّة ما زعم المجتهد رجحانه كأفضليّة من زعمه المفتي مفضولا من حيث صفات الرّاوي ولو كان المقلَّد من أهل الخبرة بالرّجال وهكذا وليس هذا إلَّا من جهة ما ذكر من اختصاص الخطاب بالتّرجيح بالمجتهد لا يقال : إنّ الخطاب الأصولي كالفرعي متعلَّق بنوع المكلَّفين من غير فرق بين المجتهد والعامي ومن هنا يرجع العوام في إعصار النّبي المختار صلى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار عليهم السلام إلى الأخبار المرويّة عنهم عليهم السلام ويعملون بها ويعالجون متعارضاتها بما ورد عنهم عليهم السلام كما يعمل بها المجتهدون ويعالجون متعارضاتها بما ورد في باب العلاج ودعوى اختصاص ما دلّ على العمل بأخبار الآحاد وما ورد في علاج ما تعارض منها بالمجتهد مصادمة للضّرورة بل المخاطب في كثير منها العوام بحيث لا مجال لإنكاره نعم ؛ كان لهم طريق آخر أيضا وهو التّقليد كما هو الحقّ ودلّ عليه الأخبار وذلك لا ينفي جواز العمل لهم بالرّواية بل قد يقال بثبوت الطَّريقين للمجتهد أيضا فإنّ عمله بالأخبار الواضحة السّليمة ليس من حيث الاستناد إلى رأيه ونظره العلمي وملكته الرّاسخة بل من حيث الاستناد إلى حسّه المشترك مع العامي في ذلك فالخطاب بالعمل بالطَّرق عام للعالم والعامي لا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا غاية ما هناك أنّ العامي لا يقدر في زماننا هذا وأشباهه على تشخيص مدلول الخبر وإحراز شرائط العمل به ودفع معارضاته من جهة عروض السّوانح واختفاء وليّ الأمر وطول غيبته وكثرة الأفكار واختلاف الأنظار وتشتّت الآراء وغير ذلك والمجتهد يقدر على ذلك كلَّه فكأنّ المجتهد نائب عن العامي في ذلك وإلَّا فأصل العمل بمضمون الخبر مشترك بين المجتهد والعامي فهذا الاختصاص والتّعين عرضيّ لا يمنع من الحكم بعموم أصل الحكم بحسب الورود في الشّرع وهو من هذه الجهة نظير استنباط الحكم الفرعي من الأدلَّة فإنّه مختصّ بالمجتهد وإن كان الحكم المستنبط يعمّ المجتهد والعامي لأنّا نقول : ما ذكرا خيرا من عدم كون الاختصاص ذاتيّا بل عرضيّا من جهة طروّ العجز للعامي وأنّ عوام زمان الحضور يعملون بالأخبار كما يعملون بالفتاوى أمر مسلَّم ويكفي فارقا بين المسألتين هذا الاختصاص العرضي وأمّا تنظير المقام بالحكم الفرعي المستنبط فهو فاسد جدّا فإنّه إذا عرض على العامي الحكم الأصولي المستنبط من الأدلَّة كوجوب العمل بخبر العادل مثلا أو لزوم تقديم الرّاجح من المتعارضين أو التّخيير بين المتعادلين لا يقدر على العمل به وهذا