وإمكانه ووقوعه وحكمه بل أطال القول غير واحد في مفهومه وإمكانه وحكي عن غير واحد منعه إلَّا أنّ وضوح الأمر فيها يغني عن التّكلَّم في غير حكمه لأنّ مفهومه بحسب اللَّغة والعرف العام سواء أخذ من العدل بالكسر أو منه بالفتح معروف وبحسب العرف الخاصّ إن بني على النّقل معلوم وإن اختلفت عباراتهم في بيانه إلَّا أنّه لا اختلاف فيه بحسب المعنى لأنّه تكافؤ الأمارتين المتعارضتين في النّظر بحسب ما يوجب ترجيح إحداهما في حكم الشّارع فلا معنى لأخذ النّسبة والثّمرة بين التّعاريف مع أنّه يمكن القول بعدم النّقل من حيث كونه مأخوذا من العدل بالكسر بمعنى الشّوق والميل أو من العدل بالفتح من التّساوي وإمكانه بحسب كلّ من الواقع والنّظر لا محذور فيه أصلا مع أنّ التّعرض لحكمه في أخبار الباب يغني عن التكلَّم في الإمكان بل الوقوع فلا بدّ من صرف العنان إلى التّكلَّم في حكمه والكلام فيه قد يقع فيما يقتضيه الأصل والقاعدة الأولويّة مع قطع النّظر عن مقتضى الدّليل الوارد وقد يقع فيما يقتضيه الدّليل في المتعارضتين بقول مطلق أو خصوص المتعارضين من الأخبار كما أنّ مقتضى الأصل لا يلاحظ بالنّسبة إلى خصوص عنوان التعادل فربما يستفاد حكمه من مقتضى الأصل في عنوان التّعارض نظرا إلى كونه من أفراده وانطباقه عليه
ثمّ إنّ الكلام من الجهة الأولى يقع تارة من حيث اقتضاء الأصل التّساقط وعدمه وأخرى في بيان ما يقتضيه على الثّاني من الوجوه المذكورة في الكتاب
فنقول : قد يقال بل قيل بأنّ مقتضى الأصل التّساقط بمعنى عدم شمول دليل اعتبار الأدلَّة والأمارات المعتبرة لصورة التّعارض سواء كان مستندا إلى المانع عن الشّمول فيما كان من الأدلَّة اللَّفظيّة بالتّقريب المذكور في الكتاب أو إلى عدم المقتضي له فيما كان من الأدلَّة اللَّبيّة كالإجماع بقسميه من القولي والعملي وإن زيّفه في الكتاب بما يرجع حاصله إلى إثبات اتّحاد مفاد الدّليلين في المقام وإلَّا لم يكن معنى للتعارض فإنّا لا نعني به إلَّا تنافي الدّليلين مع بقائهما على هذا العنوان في مورد التّعارض بحيث لا يكون المانع عن العمل بهما إلَّا تعارضهما
فتأمل ؛ والمختار عند شيخنا الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه فساد ما زعموه سواء على القول بالسّببيّة في حجيّة الأمارات أو الطَّريقيّة فقد أطال الكلام في تقريب المرام على كلّ من القولين والوجهين لخفاء المطلب ودقّته وحاصل ما أفاده على الوجه الأوّل أنّ المستعمل فيه والمراد أمر وحداني لا يختلف حاله بحسب التّعارض وعدمه فإنّ المراد من دليل الحجيّة ووجوب العمل هو الوجوب التّعييني مطلقا إلَّا أنّ التّكليف بجميع أقسامه لمّا كان في حكم العقل مشروطا بالقدرة من غير فرق بين الحكم الأصولي والفرعي وكان المكلَّف قادرا على العمل بكلّ من المتعارضين مع عدم العلم بالآخر بحكم الوجدان كما أنّه غير قادر على العمل به مع العمل بالآخر كان الحاصل وجوب العمل بكلّ واحد مع ترك العمل بالآخر فالنّتيجة التّخيير لكن لا من جهة استعمال اللَّفظ فيه حتّى يتوجّه عليه محذور استعمال اللَّفظ في معنيين ولا من جهة إنشاء العقل حتّى يكون عقليّا كما في دوران الأمر بين الوجوب والتّحريم ضرورة امتناع
اجتماع وجوبي التّخييري والتّعييني وإن كان أحدهما عقليّا والآخر شرعيّا مضافا إلى كونه خلاف الواقع والوجدان ومن هنا قلنا في محلَّه بأنّ ما اشتهر من حكم العقل بالوجوب التّخييري بين الأفراد فيما تعلَّق الأمر بإيجاد الطَّبيعة أو بين أجزاء الزّمان في الواجبات الموسعة ليس على ما يتراءى من ظاهره ضرورة أنّ ما يوجد في الخارج من الحصّة يتّصف بالوجوب التّعييني لا محالة لأنّه عين الطَّبيعة المطلوبة بالوجوب التّعييني فكيف يتّصف بالوجوب التّخييري فالمراد من التّخيير العقلي هو مجرّد تسوية الأفراد في وجدان العقل في انطباق الطَّبيعة عليها ومن هنا يظهر فساد توهّم التّخيير الإنشائي في الواجب الموسّع بالنّسبة إلى أجزاء الزّمان أيضا فالتّخيير في المقام يشبه التّعيين في الواجب التّخييري إذا تعذّر بعض أفراده فإن نتيجة الوجوب التّخييري المتعلَّق بشيئين أو أشياء عند تعذّر أحد الفردين أو الأفراد هو الوجوب التّعييني فيما تيسّر لا أن يحدث إنشاء آخر من الشّارع عند التّعذر والعينيّة الحاصلة في الواجب الكفائي عند انحصار من به الكفاية في شخص فإنّه لم يحدث في حقّه من الشّارع خطاب آخر غير الخطاب الكفائي فالحاصل من الوجوب التّعييني المتعلَّق بطبيعة أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منها أو منهما هو الوجوب التّخييري لا بإنشاء آخر من الشّارع ولا بإنشاء من العقل وهذا ما ذكرنا من أنّ نتيجة الوجوب التّعييني المتعلَّق بطبيعة واحدة عند تزاحم الفردين منها أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منهما بملاحظة اشتراط جميع التّكاليف بل الأحكام بالقدرة في حكم العقل هو الوجوب التّخييري فكلّ ما اختاره المكلَّف من المتزاحمين يتّصف في الخارج بما يتّصف به عند عدم المزاحمة بحسب الحقيقة لأنّ الوجوب التّعييني تابع للمصلحة الكامنة في الفعل على وجه التّعيين غاية ما هناك عجز المكلَّف وقصوره عن إدراكها وهذا الوجوب التّخييري كما ترى لا يضادّ التّعيين بل هو عينه وإن اختلف التّعبير فلا يلزم اجتماع الحكمين
ثمّ إنّ هذا الذي عرفت مطَّرد في جميع موارد تزاحم الواجبات إذا كانت في مرتبة واحدة ولم يكن بعضها أهمّ وأقوى وآكد مصلحة كتزاحم صلاتين إذا كانتا في مرتبة واحدة وإنقاذ غريقين بالشّرط المذكور إذا لم يتمكَّن المكلَّف من الجمع ولو بحسب ضيق الوقت كما في صلاتين وقد يتصوّر التّزاحم في المحرّمات أيضا عند الاضطرار وحكمه حكم التّزاحم في
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 25
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٥