تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
فيجب على المكلَّف تخييرا امتثال أحد النّهيين إذا كانا في مرتبة واحدة فالحكم في جميع موارد التّزاحم بعد إحراز وجود المصلحة الفعليّة في المتزاحمين كما هو مناط التّزاحم على ما عرفت إذ لو فرض عدم تعيّن الإتيان ببعضها مع عدم الإتيان ببعضها الآخر لزم الاشتراط بشيء آخر غير القدرة وهو خلف وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده بقوله فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة وجوب الامتثال والعمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة نعم ؛ فيما كان أحدهما أهمّ يتعيّن الإتيان به مطلقا ولا يجوز الإتيان بغيره كذلك لا من جهة تعلَّق النّهي بل من جهة عدم تعلَّق الطَّلب فيكون فاسدا إذا كان من العبادات خلافا لفقيه عصره في كشفه ومن تبعه ممّن قال بالتّرتّب في المقام وفي مسألة الضدّ كما أشرنا إليه وإلى ما فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة هذا حاصل ما استفدناه من إفاداته في الكتاب ومجلس المذاكرة بتوضيح منّا حسبما يساعده فهمي القاصر على تقدير كون الأمر بالعمل بالأخبار وغيرها من الأمارات من باب السّببيّة والموضوعيّة وأمّا حاصل ما أفاده في وجه فساد توهّم التّساقط على الطَّريقيّة ولو من جهة قيامها بالسّبب الخاص المعبّر عنه بالظَّن الخاصّ فهو أنّ مناط الحجيّة ووجوب العمل وإن كان مرتفعا عن كلام المتعارضين ولو كان الملحوظ في مقام الجعل هو الظَّن النّوعي والكشف الغالبي وغلبة المطابقة للواقع لا الظَّن الشّخصي ضرورة ارتفاع المناط المذكور عنهما مع العلم بعدم مطابقة أحدهما للواقع وامتناع قيامه بهما أو بأحدهما المعيّن في الواقع أو عندنا أو بأحدهما المردّد أي بهذا المفهوم إذ الصّالح المتوهّم من الوجوه المذكورة ليس إلَّا الثّاني بتوهّم جعل الحجّة ما طابق الواقع من الخبرين في نظر الشّارع وإن تردّد عندنا كما في موارد اشتباه الحجّة بما ليس بحجّة كالصّحيح المردّد بين الخبرين وهو غير صالح جزما لاستحالة تعلَّق الجعل ظاهرا وواقعا بالعنوان المذكور بعد فرض امتناع جعل العلم ولزوم صلاحيّة العنوان المأخوذ في موضوع الحكم لتعلَّق الحكم به مع العلم به تفصيلا كما عرفته في الصّحيح المردّد إلَّا أنّ ارتفاعه إنّما هو بالنّسبة إلى ما تعارضا فيه لا بالنّسبة إلى غيره فضلا عمّا تعاضدا على إثباته فبالنّسبة إلى نفي الثّالث لا مانع من الأخذ بهما لكونهما متعاضدين في الدّلالة عليه ونتيجته كما ترى الرّجوع إلى الأصل العملي المطابق لأحدهما إن كان ولو على القول بالتّرجيح بالأصل الفاسد عندنا لأنّ البحث فيما يقتضيه الأصل والقاعدة مع قطع النّظر عمّا يقتضيه الدّليل الوارد ومنه يظهر المناقشة فيما أفاده شيخنا في الكتاب من التّقييد بقول إن لم نرجّح بالأصل وإن لم يكن هناك أصل على طبق أحدهما فيحكم بالتّخيير والأخذ بمفادهما كما لو علم بعدم الثّالث فهو تخيير عقليّ بين الاحتمالين من سنخ التّخيير في دوران الأمر بين الوجوب والتّحريم فإنّ مسألتنا أعمّ من تلك المسألة من جهات وإن كانت تلك المسألة أعمّ من مسألتنا من جهة فالنّتيجة إذا التّوقف البرزخ بين التّساقط عن رأس وبقول مطلق والحجيّة بالنّسبة إلى مورد التّعارض كما هو الثّابت على السّببيّة المحضة على ما عرفت شرح القول فيه فالعمل بالتّساقط ساقط على كلّ وجه وقول فإن قلت : نفي الثّالث على ما ذكرت إنّما هو من باب اللَّزوم ودلالة كلّ من المتعارضين على ما ينافيه وليس مدلولا مستقلَّا لهما يراعى مع انتفاء ما يلزمه ومن المعلوم ضرورة قضاء التّبعيّة واللَّزوم انتفاء اللَّازم مع انتفاء الملزوم فلا مناص من القول بالتّساقط والرّجوع إلى الأصل مطلقا ولو كان هو التّخيير في المسألة الفرعيّة إذا فرض دوران الأمر بين المحذورين قلت : ما ذكر من كون الدّلالة على نفي الثّالث بالدّلالة التّبعيّة واللَّزوم مسلَّم لا شبهة فيه إلَّا أنّ الدّلالة التبعيّة تابعة للدّلالة الأصليّة بحسب الوجود لا بحسب الاعتبار والحكم من جهتها بثبوت المدلول ومن هنا يحكم بالمسألة الفرعيّة ممّا دلّ على المسألة الأصوليّة الاعتقاديّة أو اللَّغويّة على القول بعدم حجيّة خبر الواحد فيهما والحاصل أنّ التّفكيك بحسب الاعتبار ممّا لا غبار فيه أصلا بعد فرض وجود الدّلالتين على ما أسمعناك مرارا في بحث حجيّة أخبار الآحاد كما أنّه قد ينعكس الأمر ويؤخذ بالدّلالة الأصليّة ويطرح التّبعيّة كالخبر الحاكي عن المسألة الفرعيّة المتفرّعة على المسألة الكلاميّة مثل ما دلّ على نجاسة المجسّمة فإن قلت : ما ذكر في المقام من التّفكيك في الاعتبار بين الدّلالتين ينافي ما تقرّر في باب الإجماع المركَّب والتّواتر الإجمالي من اعتبار كون نفي الثّالث أو إثبات القدر المشترك مقصودا مستقلَّا للمجمعين والمخبرين وعدم كفاية لزومهما للإفتاء بالخصوصيّات والإخبار عنها على ما تقدّم تفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة قلت : لا تنافي بين ما ذكرنا في المقام وما ذكر هناك أصلا ضرورة توقّف تحقّق الإجماع والتّواتر على وجود الفتوى والخبر ومجرّد اللَّزوم لا يوجب تحقّقهما وليس ما ذكر في المقام مبنيّا على تعدّد الخبر بالنّسبة إلى الملزوم واللَّازم بل على مجرّد الكشف والطَّريقيّة المطلقة بناء على ما أسمعناك في بحث حجيّة الأخبار بل مطلق الطَّرق الظَّنية من أنّ مقتضى دليل اعتبارها هو الأخذ بما لها من الكشف بقول مطلق وترتيب جميع ما يترتّب من اللَّوازم الشّرعيّة على تقدير العلم بثبوت مدلولها ولو بوسائط عديدة غير شرعيّة ثمّ إنّ هذا الَّذي ذكرنا فيما لم يعلم بثبوت مدلول أحد المتعارضين وإلَّا فلا حاجة إلى الكلفة المذكورة