المشروط إلَّا أنّه حقّق في ذلك البحث أيضا أنّه قد يحكم العقل بوجوب مقدّمة الواجب المشروط قبل وجود شرط وجوبه كما إذا كان المكلَّف غير متمكَّن من تحصيلها في زمان وجوده مع القطع بتحقّقه في المستقبل قهرا كما إذا كان زمانا أو كان الوقت مستغرقا للفعل بحيث لا يتمكن من إتيان المقدّمة في زمان وجوده كما هو الشأن في الفرض أيضا
ثمّ إنّه لا فرق أيضا في ذلك بين المقدّمة العلميّة وغيرها لاتّحاد المناط وهو حكم العقل وتوهّم الفرق بأنّ وجوب المقدّمة العلميّة تابع لوجوب العلم الغير الواجب إلَّا بعد ثبوت الاشتغال فاسد كما لا يخفى على المتأمّل
قوله : دام ظلَّه مثل أصالة عدم الزّوال إلخ
أقول : قد يقال بأنّ المراد ممّا ذكره من الرّجوع إلى أصل آخر غير الاحتياط هو الرّجوع إليه في الجملة ولو في دفع المعارض كما أنّ المراد من عدم الرّجوع إلى أصالة الاحتياط لا بدّ من أن يكون هو عدم الرّجوع إليها من دون إعمال أصل موضوعي بأن يرجع إليه مستقلَّا ضرورة أنّ أصالة عدم الزّوال لا تقتضي إلَّا عدم جريان أصالة الاشتغال بالنّسبة إلى التّكليف المحدود بما بعد الغاية لا التّكليف المحدود بما قبل الغاية فإنّ الحكم بوجوب العمل بمقتضاه في زمان الشّك لا يكون إلَّا بجريان قاعدة الاشتغال بالنّسبة إليه إذ إثبات التّكليف في زمان الشّك في الغاية بمجرّد أصالة عدمها يستلزم التّعويل على الأصل المثبت هذا ولكن قد يقال إنّه لا احتياج إلى إجراء قاعدة الاشتغال بل لا معنى للرّجوع إليها لأنّ وجوب الإتيان قبل حصول الغاية من الآثار الشّرعيّة لعدم الغاية وليس مترتّبا على أمر وجودي ملازم لعدمها عقلا حتّى يكون إثباته بالأصل مستلزما للتّمسك بالأصل المثبت
نعم ؛ لو كان الحكم مترتّبا على أمر وجودي جعل الغاية فيه حصول ضدّه كما في مسألة الصّوم فإنّ وجوبه معلَّق على اليوم لم يجز التّمسّك بالأصل فيه للحكم المترتّب على ما قبل الغاية كما لا يخفى ففي المثال لا يجوز التّمسك بأصالة عدم دخول اللَّيل للحكم بوجوب الصّوم لكن التّقييد بالغاية لا يلازم ما ذكر في جميع الموارد فتدبّر
نعم ؛ هاهنا إشكالان على ما ذكره دام ظلَّه
أحدهما : أنّه لا معنى للتّمسّك بأصالة عدم الخروج عن عهدة التّكليف في المقام على ما يراه الأستاذ العلَّامة من عدم جريان استصحاب الاشتغال وكذلك أصالة عدم حدوث التّكليف لا يجري مع كون الشّك في الحدوث وعدمه مسبّبا عن الشّك في حصول الغاية وعدمه بناء على ما سمعته مرارا وستسمعه من عدم جريان الأصل في الشّك المسبّب عن شكّ مع جريان الأصل فيه
ثانيهما : أنّه لا يمكن التّمسك بأصالة عدم حدوث التّكليف لنفي حكم العقل بوجوب الاحتياط إلَّا بإثبات الإذن بالنّسبة إلى تركه والإذن في تركه وإن كان لازما لعدم حدوث التّكليف بالنّسبة إليه إلَّا أنّه لازم عقليّ له لا شرعيّ حتّى يصحّ إثباته بالأصل ؛ فتأمّل
ولكن مقتضى التّحقيق عدم جريان أصالة عدم حدوث التّكليف في المقام مع قطع النّظر عمّا ذكر أيضا كما لا يخفى وجهه على المتأمّل
قوله : دام ظلَّه فإن قلنا بتحريم الاشتغال كما هو الظَّاهر إلخ
أقول : قد يورد عليه بأنّ حرمة الاشتغال إن فرض استفادتها من نفس الخطاب فيستلزم خروجه عن محلّ الفرض لاستلزامه تعلَّق الحرمة بكلّ جزء لأنّ المقصود من الاشتغال ليس هو خصوص الارتكاب في الجزء الأوّل من الوقت وإلَّا لم يكن معنى للرّجوع إلى البراءة بالنّسبة إليه في الفرض ولم يكن له دخل بالمقام أصلا حتّى يجعل قسما له كما لا يخفى وإن فرض من باب المقدّمة فإن جعل الدّليل عليها ما دلّ على حرمة الإعانة ففيه منع الدّلالة أولا حسب ما اعترف به دام ظلَّه في الجزء الأوّل من الكتاب ومنع كونه إعانة على الإطلاق ثانيا وإن جعل الدّليل عليها حكم العقل من باب المقدّمة فإن قصد حكمه بالحرمة مطلقا وإن لم يقصد منه التّوصّل إلى الحرام ففيه أنّه ضروري الفساد ولم يلتزم به أحد أصلا وإلَّا لزم أن يحرم أكثر أفعالنا كما لا يخفى مضافا إلى أنّ هذه الحرمة لا يوجب عقابا أصلا ولو على مخالفة ذي المقدّمة حتّى يصير موردا لجريان قاعدة الاشتغال أو البراءة عند الشّك فيهما وبالجملة لا إشكال في عدم حكم العقل بحرمة مقدّمة المحرّم إذا لم تكن علَّة تامّة فيما لم يقصد بها التّوصّل بل لا خلاف فيه أيضا كما لا يخفى وإن قصد مع قصد التّوصّل به إلى الحرام حسب ما عليه جماعة واعترف دام ظلَّه بكونه المراد في مجلس البحث ففيه أنّه إن قصد بحرمتها حينئذ الحرمة التّبعيّة التّوصليّة النّاشئة من حرمة ذيها بحكم العقل ففيه منع حكم العقل بذلك كما هو واضح وإن قصد منها الحرمة النّفسيّة من جهة عنوان التّجري ففيه أوّلا المنع من حرمة التّجري حسب ما عليه الأستاذ العلَّامة وثانيا خروجها بهذا الاعتبار عن محلّ الفرض لأنّ الكلام فيما لم يتعلَّق النّهي النّفسي بكلّ جزء فتدبّر
قوله : دام ظلَّه بل يحتاج إلى الاستصحاب المشهور إلخ
أقول : قد يورد عليه بأنّه لو أسقط قيد المشهور لكان أولى لأنّه أيضا يقول بحجيّة الاستصحاب في الفرض من جهة الرّوايات فإن أريد من الاستصحاب المشهور إبقاء الحكم لمجرّد الحالة السّابقة بحيث يكون العلَّة نفس الحالة السّابقة كما هو الظَّاهر من كلامه ففيه أنّه لا احتياج إليه لوجود الرّوايات اللَّهمّ إلَّا أن يكون الإيراد بناء على ما يظهر من كلامه من عدم تماميّة الرّوايات عنده فتأمّل
قوله : دام ظلَّه وإن قلنا إنّه لا يتحقّق إلى آخره
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 87
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨٧