الجزء الثّاني من التّعليقة ففي المقام إذا فرضنا كون الشّك في بقاء الأمر الوجودي مسبّبا عن الشّك في وجود الرّافع له فلا بدّ من أن يجري الأصل بالنّسبة إليه فيحكم من جهته ببقاء الوجودي فيرتفع به الشّك عن بقائه على سبيل الحكومة
ثمّ لو سلَّمنا جواز إجراء الأصل في الأمر الوجودي لم يكن إشكال في عدم الاحتياج إليه فيغني أحد التّفصيلين عن الآخر أيضا وهذا الَّذي ذكر فيما لو كان الأمر الوجودي من الآثار الشّرعيّة لعدم الرّافع كالطَّهارة لعدم الحدث بناء على القول بثبوت الجعل في الأحكام الوضعيّة أو الأحكام الَّتي ينتزع منها الطَّهارة بناء على القول بعدم ثبوت الجعل فيها حسب ما هو التّحقيق ممّا لا إشكال فيه لأنّ معنى حكم الشارع بعدم الاعتناء باحتمال وجود الحدث هو الالتزام بالطَّهارة وبآثارها من دون ملاحظة واسطة في ذلك أصلا كما لا يخفى وأمّا لو لم يكن بقاء الأمر الوجودي من الآثار الشّرعيّة لعدم الرّافع كالرّطوبة بالنّسبة إلى الرّيح المجفّف لها فلا يمكن إثباته بأصالة عدم الرّافع بناء على ما هو التّحقيق من عدم اعتبار الأصول المثبتة على تقدير الاستناد في الاستصحاب إلى الأخبار
فنقول : حينئذ إنّ المقصود من الحكم ببقاء الرّطوبة ليس إلَّا ترتيب آثارها الشّرعيّة ونحن نحكم بترتب الأحكام المذكورة من جهة استصحاب عدم الرّافع من غير احتياج إلى إثبات الرّطوبة حتّى يلزم المحظور المزبور حيث إنّ الرّافع للرّطوبة رافع لحكمها شرعا فمعنى حكم الشارع بعدم الاعتناء باحتمال وجود الرّافع للرّطوبة وأحكامها هو الالتزام بأحكامها من دون احتياج إلى توسيط إثبات الرّطوبة
فإن قلت : إذا فرضنا كون الحكم حكما للأمر الوجودي فيكون الشّك فيه لا محالة مسبّبا عن الشّك فيه فكيف يمكن الحكم بارتفاع الشّك عن الحكم مع بقاء الشّك في موضوعه وإن هذا إلَّا ما اعترفت ببطلانه وبنيت عليه الأمر في إرجاع أحد التّفصيلين إلى الآخر
قلت : ما اعترفنا
به سابقا من عدم جواز الحكم بارتفاع الشّك المسبّبي من غير جهة الحكم بارتفاع الشّك السّببي إنّما هو مع جواز الحكم بارتفاعه وقد عرفت أنّ في المقام لا يمكن من حيث استلزامه الاتكال على الأصل المثبت هذا ملخّص الكلام في إرجاع أحد التّفصيلين إلى الآخر
وفيه
أوّلا : أنّا نمنع من كون بقاء الأمر الوجودي في مورد من الموارد من الآثار الشّرعيّة لعدم الرّافع لأنّ لازم جعل الشّارع شيئا رافعا لشيء هو الحكم شرعا بارتفاعه عند وجوده لا بقائه عند عدمه فيمنع من كون بقاء الطَّهارة من الآثار الشّرعيّة لعدم الحدث
فتأمّل وثانيا : أنّ ما ذكره من عدم جواز إجراء الاستصحاب في الأمر الوجودي المسبّب شكَّه عن الشّك في وجود الرّافع ممّا لا معنى له غاية الأمر جواز إجراء الأصل في كلّ منهما هكذا ذكره الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث وستعرف من كلامه في غير مورد أنّ في باب الشّك في بقاء الطَّهارة يجوز استصحاب نفس الطَّهارة كما يجوز الاكتفاء باستصحاب عدم الحدث لكنّه لا يخفى عليك أنّ هذا على خلاف التّحقيق الَّذي عرفته وستعرفه منّا ومن الأستاذ العلَّامة تفصيلا في غير مورد من كلامه فلا مناص لمن يحكم بجواز إجراء استصحاب الطَّهارة إلَّا الالتزام بعدم كون بقاء الطَّهارة من الآثار الشّرعيّة لعدم الحدث حسب ما عرفته في الجواب الأوّل لكن هذا الجواب غير مرضيّ عند الأستاذ العلَّامة
وثالثا : أنّ ما ذكره فيما لم يكن الأمر الوجودي من الآثار الشّرعيّة لعدم الرّافع كما في الشّبهة الموضوعيّة كمثال الرّطوبة ممّا لا محصّل له لأنّه إذا فرض كون الحكم حكما للأمر الوجودي فكيف يعقل الالتزام به ظاهرا مع عدم الالتزام بالأمر الوجودي الَّذي هو موضوع له وإلَّا لزم إثبات الحكم في غير موضوعه أو لا في موضوع وكلاهما محال ولزوم أحد الأمرين كبطلانهما من غاية وضوحهما لا يحتاج إلى البيان وأمّا ما ذكره للتّفصّي عن هذا الإشكال ففاسد جدّا أمّا أوّلا فبأنّه يمكن في المقام رفع الشّك عن الموضوع باستصحاب
نفسه وأمّا ثانيا فبأنّ ما ذكر من جواز إجراء الأصل في الشّك المسبّبي فيما لا يجري الأصل في الشّك السّببي إنّما هو فيما إذا لم يكونا من الشّك في الموضوع والشّكّ في الحكم كالشّكّ في الطَّهارة والحدث والشّك في طهارة الملاقي لأحد المشتبهين في الشّبهة المحصورة والشّك في طهارة الملاقي مطلقا مع فرض عدم جريان استصحاب الطَّهارة والنّجاسة في الملاقى بالفتح إلى غير ذلك وأمّا لو كانا من الشّكّ في الموضوع والحكم حسب ما هو المفروض في المقام فلا معنى لما ذكر كما لا يخفى
ثمّ إنّ ما ذكره من أنّ الرّافع للرّطوبة رافع لأحكامها ممّا لا نعقله أيضا لأنّ ارتفاع الحكم إنّما هو من جهة ارتفاع موضوعه فليس رافع الموضوع رافعا لحكمه في عرضه بل إنّما هو من باب التّبعيّة فإذا لا يمكن أن يلاحظ نسبة الرّافع إلى الحكم ابتداء من دون نسبته إلى موضوعه فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الحقّ افتراق القولين
نعم ؛ لو قيل باعتبار الاستصحاب من باب الظَّن لم يكن فرق بين التّفصيلين إلَّا أن يقال إنّ التّفصيل بين الشّك في المقتضي والشّك في الرّافع على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظَّن الظَّاهر أنّه غير موجود لأنّ التّفصيل المذكور إنّما نشأ من جهة لفظ النّقض الواقع في الأخبار الواردة في الباب لكنّه فاسد من جهة ذهاب بعض الأصحاب كالمحقّق ومن تبعه إلى التّفصيل بينهما مع كون المستند في اعتبار الاستصحاب
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 60
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٠