اعتبار هذا الظَّن الحاصل من القاعدة المذكورة اللَّهمّ إلَّا أن يدّعى بناء العقلاء على الأخذ به والاتّكال عليه والرّكون إليه هذا مضافا إلى إمكان المناقشة فيما ذكره في الشّك في المقتضي أيضا بطريق المعارضة فنقول كما يقال لو كانت الحالة الثّانية معتبرة للحكم الأوّل لكان عليه دليل كذلك نقول إنّ القدر الثّابت من الدّليل هو ثبوت الحكم في الحالة الأولى ولو كان ثابتا في الحالة الثّانية أيضا لكان عليه دليل فإذا لم يكن فيبنى على عدمه
فتدبّر ؛ هذا مع أنّ حصول الظَّن مطلقا من عدم وجدان الدّليل على الحكم وعلى مغايرة الحالة الثّانية للحالة الأولى ممنوع لأنّ عدم الوقوف على الدّليل بعد الفحص عنه ليس أمارة على عدم الدّليل في نفس الأمر إلَّا بانضمام مقدّمة خارجيّة وهي بقاء ما ورد من الشارع لبيان الأحكام ووصوله إلينا ولو بالنّسبة إلى غالبه وأكثره فتأمّل
ثمّ إنّ ذكر الأستاذ العلَّامة كلام الشّيخ هنا إنّما هو من جهة الإشارة بأدنى مناسبة إلى ثبوت طريق أخر في باب الاستصحاب لا من جهة كونه عين ما ذكره في قوله ولعلّ هذا إلى آخره كما لا يخفى
قوله : منها ما عن الذّريعة وفي الغنية من أنّ المتعلَّق بالاستصحاب يثبت الحكم إلى آخره
أقول : ظاهر هذا الوجه كما ترى يرجع إلى التّمسّك بالأصل في المنع عن العمل بالاستصحاب وهو مستقيم حيث إنّه لا يرتاب أحد في أنّ قضيّة الأصل الأوّلي عدم اعتباره لولا الدّليل عليه ولكن قد أفرط بعض المنكرين من الأخباريّين في المقام كبعض أصحابنا الأصوليّين وحكم بأنّ المتعلَّق بالاستصحاب حقيقة يثبت الحكم بالقياس ويرجع تمسّكه إليه بيان ذلك أنّه لا شبهة في تغاير الحالتين وهما حالتي فقدان الماء ووجدانه في مسألة المتيمّم الواجد للماء في أثناء الصّلاة أو تغيّر الماء وزواله عنه في الماء الَّذي نجس بالتّغيّر ثمّ زال تغيّره بنفسه مثلا وإلَّا لما قطع في إحداهما وشكّ في الأخرى وإذا تغايرت الحالتان وجدت هناك قضيّتان الموضوع في إحداهما غير الموضوع في الأخرى وإذا تعدّدت القضيّتان بتغاير موضوعهما والمفروض أنّه لا دلالة للدّليل المثبت للحكم في إحداهما على ثبوته في الأخرى وإلَّا لما جرى الاستصحاب أو لما احتجنا إليه فإثبات حكم الحالة الواجدة للدّليل في الحالة الخالية عنه لا يمكن بتنقيح المناط ظنّا وأنّه هو القدر المشترك بين الحالتين وأنّه الموضوع الحقيقي في نظر الشّارع كما في مسألة القياس فإنّ إلحاق النّبيذ بالخمر إنّما هو من حيث الظَّن بأنّ علَّة الحرمة في الخمر هو الإسكار الموجود في النّبيذ أيضا ولا فرق عند التّحقيق بين إلحاق عصير الزّبيب بعصير العنب من جهة القياس أو من جهة استصحاب حالة العنبيّة كما صدر عن بعض ففي المثالين لا بدّ من أن يظنّ أوّلا أنّ العلَّة في حكم الشارع هو القدر المشترك بين الحالتين ثمّ إلحاق إحداهما بالأخرى فيظنّ في مسألة المتيمّم الواجد للماء في الأثناء أنّ العلَّة هو مجرّد فقدان الماء قبل الصّلاة وهذا الوصف موجود قطعا بعد وجدان الماء في الأثناء أيضا وفي مسألة الماء المتغيّر الَّذي زال عنه التّغير أنّ المناط هو مجرّد حدوث التّغيّر في الماء وإن زال عنه من دون أن يكون زواله بما ثبت كونه مطهّرا كإلقاء الكرّ ونحوه وهكذا في باقي الأمثلة وإلَّا لم يكن إلحاق إحداهما بالأخرى
وبعبارة أخرى تعدّد القضيّتين وتغايرهما
إمّا بتغاير الموضوع أو المحمول أو بتغايرهما معا والمفروض في المقام وفي باب القياس وحدة المحمول فينحصر جهة التّغاير في الموضوع
فنقول : هنا مسألتان وقضيّتان إحداهما أنّ الماء المتلبّس بالتّغيّر نجس أو المتيمّم الفاقد للماء حكمه كذا والأخرى أنّ الماء الَّذي زال عنه التّغيّر نجس أو المتيمّم الواجد للماء حكمه مثل حكم الفاقد فإن قلت إنّهما ليستا بقضيّتين فقد خالفت الوجدان وكابرت العيان وإن قلت إنّهما قضيّتان متغايرتان لكن يلحق إحداهما بالأخرى من غير دليل فقد قلت مقالة غير معقولة لم يقل بها أحد من العقلاء وإن قلت يلحق إحداهما بالأخرى مع الدّليل وهو الظَّن بكونها مثلها في الحكم حسب ما هي مقالة القائلين بالاعتبار
فنقول : إنّ الظَّن بكونهما مثلهما في الحكم لا يعقل إلَّا بالظَّن بكون المناط والعلَّة هو القدر الجامع بينهما وهذا ما ذكرنا من رجوع التّمسك بالاستصحاب إلى التّمسك بالقياس هذا في الشّك في المقتضي وبمثله يقال في الشّك في الرّافع فإنّ المتطهّر الَّذي لم يخرج منه المذي مثلا غير المتطهّر الَّذي خرج منه المذي فإلحاق أحدهما بالآخر في الحكم لا ينفك عن القياس بالبيان الَّذي عرفت تفصيله وتوضيحه هذا ملخّص ما ذكره الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث لتوضيح مرام المتوهّم وقد ارتضاه دام ظلَّه وبنى على تماميّته لولا ورود الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك بل بعد ملاحظته أيضا بالنّسبة إلى الشّك في المقتضي وأمّا بالنّسبة إلى الرّافع فلا يتمّ ما ذكر بعد ملاحظة الأخبار فإنّا لم نسلَّم أنّ هنا قضيّتين الموضوع في إحداهما غير الموضوع في الأخرى إلَّا أنّ من المقرّر في محلَّه بل الواضح الَّذي لا يحتاج إلى البرهان بل البيان أنّ القياس ليس هو مجرّد الحكم في موضوع بما حكم به في غيره ولو كان من جهة قيام دليل عليه وإلَّا لكان أكثر الأحكام الثّابتة في الموضوعات من باب القياس بل هو ذلك مع كون الحكم في الفرع من جهة استنباط كون
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 54
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٥٤