يريد استصحابه من الأحكام الشّرعيّة وغيرها وعلى كلّ تقدير لا يخلو أيضا إمّا أن يريد من البقاء هو البقاء دائما وفي جميع الأوقات أو البقاء على مقدار من الزّمان غير معيّن أي المهملة أو البقاء على مقدار معيّن من الزّمان لا سبيل إلى إرادة البقاء أبد الآباد لكذبه ولا إلى إرادة المهملة لعدم الجدوى فيها فيتعيّن أن يكون المراد هو البقاء على مقدار خاصّ من الزّمان فحينئذ نقول إن كان المراد من الغلبة هي الجنسيّة الملحوظة في جنس الممكنات فيرد عليه
أمّا أوّلا : فبأنّه إن أراد من غلبة البقاء فيها هي غلبة البقاء إلى زمان الشّك ففيه أنّه لا معنى لذلك لأنّ أزمنة الشّك متخالفة وكلّ صنف من الموجودات على مقدار من البقاء غير المقدار الَّذي عليه الصّنف الآخر فلا معنى لملاحظة الغلبة الجنسيّة بعد القطع باختلاف الأصناف وعدم انضباطها وإن أراد منها هي غلبة البقاء على مقدار من الزّمان القدر المشترك فيه جميع الأشياء القارّة ففيه أنّه لا جدوى في هذه الغلبة في المقام لأنّ البقاء على هذا المقدار معلوم في أكثر موارد الاستصحاب فلا يحتاج إلى الغلبة وإنّما الشّك في الزّائد فلا ينفع فيه الغلبة المزبورة نعم لو شكّ في كون وجود شيء آنيّ أو له قرار أمكن القول بحصول الظَّن من الغلبة المذكورة بكونه من القسم الثّاني مع قطع النّظر عمّا سيتلى عليك
وأمّا ثانيا : فبأنّ غلبة البقاء لا ينفع في الحكم بالبقاء ظنّا في الفرد المشكوك وإن فرض انضباط للموجودات لأنّ البقاء في كلّ واحد منها مستند إلى ما هو مفقود في الآخر غاية الأمر مشاركتها من باب الاتفاق في البقاء على مقدار من الزّمان ومجرّد هذا غير كاف في الغلبة حسب ما عرفت سابقا وبالجملة من الواضح الَّذي لا يعتريه شكّ أنّ بقاء الموجودات المشاركة مع نجاسة الماء المتغيّر في الوجود من الجواهر والأعراض في زمان الشّك في النّجاسة من جهة ارتفاع التّغيّر مع احتمال مدخليّة في بقاء النّجاسة لا يوجب الظَّن ببقاء النّجاسة في الماء الَّذي زال عنه تغيّره قطعا لعدم ارتباط بينهما وإن كان المراد هي الغلبة
النّوعيّة أي غلبة البقاء في نوع المستصحبات فيرد عليه ما عرفته في الغلبة الجنسيّة حرفا بحرف وإن كان المراد هي الغلبة الصّنفيّة أي غلبة البقاء في صنف المستصحب ففيه أنّ هذا في الشّبهات الموضوعيّة يستقيم في الجملة سواء كان من جهة الشّك في المقتضي أو الرّافع وجودا أو صفة وإن كانت قضيّة كلام شيخنا قدس سره التّخصيص بالثّاني بأن يقال إنّ صنف الإنسان يقتضي نوعا من البقاء وكذلك صنف الحمار والبغال يقتضي مقدارا من البقاء وكذلك الرّطوبة في الصّيف والشّتاء يقتضي مقدارا من البقاء وهكذا حال سائر الموضوعات بحسب تفاوت أصنافها وتغايرها في مقدار البقاء إلَّا أنّ البناء عليه مع فرض تسليم حجيّة الظَّن الحاصل من الغلبة ولو في الشّبهة الموضوعيّة ممّا يخلّ أمر الاستصحاب فإنّ المتطهّر إذا أراد استصحاب طهارته في زمان الشّك فلا بدّ من أن يلاحظ الزّمان المنقضي عن طهارته مع ملاحظة حاله بحسب الاعتياد على حفظ الطَّهارة وعدمه على ما ذكره شيخنا البهائي وأمّا في الشّبهات الحكميّة فلا يستقيم أصلا سواء كان الشّك من حيث المقتضي أو من حيث الرّافع إلَّا في الشّك في النّسخ حيث إنّه يحصل فيه الظَّن بالبقاء من ملاحظة غلبة بقاء الأحكام الشّرعيّة وعدم نسخها إلَّا أنّ في عدّ أصالة عدم النّسخ في عداد أقسام الاستصحاب وأفراده محل تأمّل ونظر من حيث إنّ النّسخ قسم من التخصيص فيدخل أصالة عدمه في الأصول اللَّفظيّة لكنّهم تسامحوا في المقام وجعلوها من أقسام الاستصحاب ومع البناء على هذه المسامحة لا جدوى فيه لنا حيث إنّ الشّك في النّسخ لا يقع إلَّا في زمان النّبي صلى الله عليه وآله أو الأئمّة عليهم السلام على جهة النّقل عنه صلى الله عليه وآله هكذا ذكره الأستاذ العلَّامة ولكن يمكن الخدشة فيه بمنع تحقّق القدر المشترك في الشّك في النّسخ أيضا لأنّ بقاء كلّ حكم إنّما هو من جهة اقتضاء خصوص مصلحته البقاء ومجرّد الموافقة الاتفاقيّة غير مجد بالفرض هذا ولكن يمكن أن يقال إنّه يحصل الظَّن من ملاحظة غلبة بقاء الأحكام وعدم نسخها بأنّ الزّمان لا مدخل له
في مصلحة الحكم وأنّ بقاء الأحكام إنّما هو من جهة اقتضاء نوع المصلحة الدّوام هذا في الشّك في النّسخ وأمّا في غيره فلا معنى فيه للحكم بتحقّق الغلبة أمّا لو كان الشّك من حيث الاستعداد والمقتضي فظاهر لعدم انضباط لمقدار الاستعداد في الأحكام الشّرعية يجدي للحكم في المورد المشكوك والقدر المتيقّن غير مجد كما عرفت سابقا مع أنّه على تقدير الانضباط لا ينفع في تحقّق الغلبة المعتبرة الكاشفة عن الاستناد إلى القدر المشترك لأنّ كلّ حكم شرعيّ بل وغيره تابع لخصوص ما في نفس الحاكم من الأغراض والمصالح ومجرّد الموافقة الاتّفاقيّة في مقدار الاستعداد لا يجدي شيئا كما لا يخفى وأمّا لو كان الشّك من حيث الرّافع فيعرف الكلام فيه ممّا عرفته في الشّك من حيث المقتضي هذا وإن شئت قلت إنّ الشّكّ في الحكم الشّرعي سواء كان من جهة الشّك في المقتضي أو الرّافع لا يلاحظ فيه في غير النّسخ الزّمان إلَّا بالفرض من غير فرق بين الزّمان المفروض للشّك في البقاء بين قلَّته وكثرته وطوله
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 51
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٥١