تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
وإن لم يكن هناك ما يفيد الظَّن ولو نوعا مخالفة للبداهة وركيكة إلى النّهاية لأنّ بناء العقلاء إنّما هو من جهة القوّة العاقلة الموجودة فيهم ومن المعلوم أنّ حكم العقل من دون إدراك الشّيء ولو ظنّا ممّا لا يعقل وإنّما يتصوّر التّعبد في المجعولات الشّرعيّة فإنّه يمكن أن يجعل الشّارع أمرا واجب الاتّباع وإن لم يحصل الظَّن منه ولو نوعا كما قد يدّعى وقوع هذا النّحو من الجعل بالنّسبة إلى جملة من الأمور كالقرعة ونحوها وأمّا في المجعولات العقلائيّة والطَّرق المعتبرة عندهم فلا وممّا ذكرنا كلَّه تعرف النّظر فيما وقع في كلام جماعة ممّن قارب عصرنا من تقسيم التّعبّد إلى الشّرعي والعقلي والقول بأنّ مرادهم هو الظَّن النّوعي فاسد جدّا لأنّهم ذكروه في مقابله فراجع إلى كلماتهم حتّى تقف على حقيقة الأمر ثالثها : أن يكون مراده من المقتضي هو الواسطة في الإثبات بمعنى السّبب لا العلَّة التّامة له ولا السّبب للثّبوت لأنّ الاطَّلاع عليه في الأحكام الشّرعيّة أوّلا وبالذّات نادر جدّا بل غير واقع إلَّا في الأحكام الشّرعيّة المبنيّة على الأحكام العقليّة نعم ؛ يمكن الاطَّلاع عليه إجمالا بعد الاطَّلاع على الحكم المسبّب عنه وليس المقتضي للعلم بالحكم الشّرعي بالمعنى المذكور إلَّا دليل يقتضي بعمومه أو إطلاقه وجود الحكم في الزّمان الثّاني فيكون المراد من المعارض حينئذ هو احتمال وجود المخصّص أو المقيّد وممّا يشهد على كون مراده من المقتضي والمعارض ما أشرنا إليه ما ذكره في طيّ كلماته من قوله والَّذي نختاره أن ننظر إلى دليل ذلك الحكم إلخ فإنّه ظاهر بعد جعله بيانا لما أجمله أوّلا في كون مراده من المقتضي في كلامه السّابق هو الدّليل المقتضي لثبوت الحكم في الزّمان الثّاني عموما أو إطلاقا ولقد كان الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث مصرّا غاية الإصرار في أنّ إحراز المقتضي للبقاء في الشّبهات الحكميّة ممّا لا يمكن إلَّا بالعموم أو الإطلاق فيستكشف منهما وجود المقتضى بالفتح في الزّمان الثّاني نعم ؛ في الشّبهات الموضوعيّة يمكن العلم باقتضاء المستصحب للبقاء من دون توسّط كلام الشّارع لكن مفروض كلام المحقّق بل القوم إنّما هو في الاستصحاب الَّذي هو من أدلَّة الأحكام فإذا فرض أنّ العلم باقتضاء المستصحب للبقاء في الشّبهات الحكميّة لا يمكن إلَّا ببيان الشّارع عموما أو إطلاقا فلا ينفكّ فرض وجود المقتضي عن وجود العموم أو الإطلاق وحينئذ يستقيم ما ذكره المحقّق لأنّ عدم الاعتناء باحتمال المخصّص والمقيّد ممّا هو مركوز في الأذهان وقد قضت به الأدلَّة القطعيّة أيضا هذا ثمّ أورد الأستاذ العلَّامة على هذا التّوجيه بعد ما وجّهه بما في الرّسالة بوجوه من الإيرادات أحدها : المنع من كون العامّ والمطلق مقتضيا والمخصّص والمقيّد مانعا حيث إنّ من المقرّر في محلَّه أنّ ظهور اللَّفظ في المعنى مأخوذ فيه عدم قيام القرينة على الخلاف لا بمعنى كون وجودها مانعا عن الظَّهور فعلا بل بمعنى أخذ عدمها في أصل اقتضاء اللَّفظ للظَّهور وبعبارة أخرى اللَّفظ بوصف التّجرد ظاهر في المعنى لا أن يكون الاقتران بالقرينة مانعا عن الظَّهور فجعل أصالة العموم أو الإطلاق مقتضيا والمخصّص والمقيّد مانعا ممّا لا معنى له وأمّا ما قرع سمعك وسمع كلّ أحد من عدّهم التّقليد والتّخصيص من المرجّحات الدّاخليّة في باب التّعارض فيما إذا كان المقيّد والمخصّص ظنيّين بحسب الدّلالة المقتضي لوقوع التّعارض بين العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد فغير مناف لما ذكرنا لأنّ كلامنا في المقام إنّما هو بعد إحراز عنوان المخصّص والمقيّد ولهذا ذكرنا في باب التّعارض أنّ الخاصّ إذا كان قطعيّا لا يكون التّخصيص به من باب التّرجيح وممّا يدلّ على كون عدم الخاصّ مأخوذا في ظهور العام في العموم وكذا عدم كلّ قرينة بالنّسبة إلى اللَّفظ الدّال على المعنى الحقيقي عدم تقديمهم العامّ من حيث هو على الخاصّ من حيث هو في مورد من الموارد ولو كان تقديم الخاصّ من باب التّرجيح لانفكّ الحكم المذكور من بعض الموارد فتدبّر لا يقال : لو كان عدم الخاصّ شرطا في ظهور العامّ في العموم كذا عدم كلّ قرينة بالنّسبة إلى الظَّاهر لما يرجع إلى الأصل عند الشّكّ فيهما بل لا بدّ من إحراز عدمهما لأنّا نقول : مجرّد كون عدم القرينة شرطا لا يقضي بوجوب إحرازه بالقطع بل يكفي فيه الرّجوع إلى أصالة عدمها فالشّرط هنا أيضا محرز ولو بالأصل وأمّا الشّرط الَّذي لا بدّ من إحرازه بغير الأصل فإنّما هو في الشّرط المخالف له وهو الشّرط الوجودي وأمّا الشّرط الموافق للأصل فيكفي في إحرازه نفس الأصل فالمدار إنّما هو على كون الشيء المأخوذ في غيره موافقا للأصل أو مخالفا له نعم ؛ عدم المانع دائما موافق للأصل ما لم يعلم بوجوده في زمان يحكم بعدمه كما أنّ الشّرط إذا كان وجوديّا يحكم بعدمه إلَّا إذا أحرز وجوده ولو باستصحاب الوجود السّابق ثانيها : تسليم كونهما مقتضيين والخاصّ والمقيّد مانعين لكن مجرّد إحراز المقتضي ولو كان لفظا لا يكفي في الحكم بثبوت المقتضي ما لم يحرز عدم المانع ولو بالأصل فإذا ننقل الكلام إلى هذا الأصل فنقول ما الدّليل على اعتباره فإن كان من باب استصحاب العدم فالكلام في اعتبار الاستصحاب وإن كان من جهة أخرى غير الاستصحاب فيخرج عن محلّ البحث ثالثها : أنّه بعد تسليم عدم ورود جميع ما ذكر يرد عليه أنّ المانع غير الرّافع والمخصّص إن كان