أقول : لا يخفى عليك أنّه أراد دام ظلَّه بذلك الكلام الإيراد على العلَّامة والمحقّق الثّاني بأنّ ظاهرهما التّسالم على جريان أصالة الصّحة فيما إذا اختلف البائع والمشتري في الصّغر وعدمه فادّعى البائع الصّغر حال البيع والمشتري البلوغ وإن عارضها العلَّامة بأصالة عدم البلوغ وضعّفها المحقّق الثّاني بأنّه لا معنى للمعارضة الَّتي ذكرها بعد جريان أصالة الصّحة هذا ولكن ذكر دام ظلَّه في مجلس البحث بأنّه لم يظهر من المحقّق الثّاني في باب البيع تسليم جريان أصالة الصّحة وإنّما أراد مجرّد الاعتراض على العلَّامة بأنّه لا معنى للمعارضة المذكورة بعد تسليم جريان أصالة الصّحة ولكن بزعمي القاصر أنّ كلامه في هذا الباب صريح في جريان أصالة الصّحة قبل إحراز الأركان وهو مناف صريح لما ذكره في الضّمان والإجارة ولذا أورد عليه بعض مشايخنا بثبوت التّنافي بين كلامه في هذا الباب وكلامه في باب الضّمان والإجارة فالمتعيّن إذا نقل كلامهما في باب البيع حتّى يعلم حقيقة الأمر
قال العلَّامة : في القواعد في الفرض المذكور احتمل تقديم قول البائع مع يمينه لأنّه مدّع للصّحة وتقديم قول المشتري لأصالة البقاء انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه
وقال : في جامع المقاصد أنّ الاحتمال الثّاني في غاية الضّعف لأنّ أصالة البقاء مندفعة بالإقرار بالبيع المحمول على البيع الصّحيح شرعا فإنّ صحّته يقتضي عدم بقاء الصّبوة فلا يعدّ معارضا كما لا يعدّ احتمال الفساد معارضا لأصالة الصّحة في مطلق الإقرار بوقوع عقد البيع
فإن قلت : أصلان قد تعارضا للقطع بثبوت وصف الصّبوة سابقا
قلت : قد انقطع هذا الأصل بالاعتراف بصدور البيع المحمول على الصّحيح كما يحكم بانقطاع أصالة بقاء ملك البائع بالاعتراف بصدور البيع لو اختلفا في صحّته وفساده ولو ثبت في هذه المسألة تعارض الأصلين لثبت تعارضهما فيما لو قالا تبايعنا وادّعى أحدهما الفساد والفرق غير واضح وكون الصّبوة مستمرّة لا دخل له في الفرق
انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وهو كما ترى مناف صريح لما ذكره في البابين
قوله : والأقوى بالنّظر إلى الأدلَّة السّابقة من السّيرة
أقول : لا يخفى عليك أنّ ما اختاره دام ظلَّه من التّعميم ممّا لا ريب في استقامته ووضوح صحّته لأنّ جريان السّيرة على التّعميم ولزوم الاختلال من التّخصيص ممّا لا ينبغي أن يكون محلَّا للإنكار بل أقول إنّه يمكن دعوى الإجماع المحقّق قولا على بطلان التّخصيص بما ذكره ثاني المحقّقين لأنّه معنى عدم اعتبار أصالة الصّحة رأسا فإنّه بعد إحراز أركان العقد من المتعاقدين الكاملين من الجهات المعتبرة فيهما والعوضين الجامعين لجميع ما اعتبر فيهما من الشّروط إذا شكّ في وجود ما يبطل العقد ويمنع من صحّته وهو الشّرط المفسد مثل الشّرط المنافي لمقتضى العقد ونحوه لم يكن إشكال في الحكم بالصّحة لا من جهة أصالة الصّحة بل من جهة أصالة عدم اشتراط هذا الشّرط في ضمن العقد وأصالة عدم وجود المانع من صحّته ومن المعلوم أنّه لا دخل لها بأصالة الصّحة في فعل المسلم كما هو واضح فالإجماع على اعتبار أصالة الصّحة يقتضي الحكم باعتبارها فيما إذا لم يكن هناك أصل يقتضي الحكم بصحّة العقد إذ دعوى اختصاص الإجماع بما إذا كان هناك أصل على طبقها كما ترى لأنّ مرجع التّخصيص المذكور حقيقة إلى إلقاء أصالة الصّحة وعدم اعتبارها رأسا فكيف يمكن أن يراد من الإجماع على اعتبارها ودعوى أنّ الشّك في الصّحة والفساد وإن كان مسبّبا عن الشّك في وجود المفسد والمبطل إلَّا أنّه لا يمكن خلوّ العقد عنه إلَّا على القول بالأصل المثبت فأصالة الصّحة محتاج إليها فاسدة مضافا إلى منافاتها لمقالة المخصّص بعدم وجود الواسطة أصلا مع أنّه على تقدير وجودها من الوسائط الخفيّة فتدبّر
قوله : ولو قيل إنّ ذلك من حيث الشّك إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه ينبغي للأستاذ العلَّامة أن يجيب عن التّوهّم المذكور ثانيا بأنّا نفرض الكلام فيما إذا وقع الشّك المذكور مع الشّك في بلوغ البائع أيضا فإنّ الظَّاهر جريان السّيرة على الحمل على الصّحة كما أنّ الظَّاهر عدم الخلاف أيضا في الحمل على الصّحة اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ ذلك ليس من جهة أصالة الصّحة بل من جهة قاعدة الشّك بعد الفراغ والتّجاوز عن المحلّ بناء على تعميم القاعدة لما يشمل المقام ولا دخل لها بأصالة الصّحة فاستقرار السّيرة على الحمل على الصّحة مسلَّم إلَّا أنّ مستند عمل المسلمين ليس أصالة الصّحة بل قاعدة الشّك بعد التّجاوز عن المحلّ حتّى لو فرض القطع ببلوغه وشكّ بعد العقد في بلوغ البائع فإنّه يوجب الشّك في صحّة عمله أيضا لأنّ العقد قائم بهما معا وبفساد كلّ من الإيجاب والقبول يفسد أصل العقد كما هو واضح فتدبّر
قوله : ثمّ إنّ ما ذكره جامع المقاصد من أنّه لا وجود للعقد إلخ
أقول : يرد على ما ذكره زيادة على ما ذكره دام ظلَّه النّقض بما سلَّم جريان أصالة الصّحة فيه فإنّه كما قال بعدم وجود العقد قبل إحراز شرائط المتعاقدين والعوضين كذلك نقول بعدم وجوده قبل إحراز ما هو المبطل له فإن أجاب بأنّ وجود العقد محرز في هذا الفرض وإن لم يحرز وجوده شرعا لاستلزامه القطع بالصّحة نجيب عمّا ذكره بأنّ وجود العقد فيما فرضه أيضا محرز عرفا والحاصل أنّ الفرق في صدق العقد عند الشّك في وجود ما هو المعتبر في صحّته أو عدم ما يعتبر فيه ضعيف جدّا
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 205
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٠٥