نعم ؛ المأخوذ في البراءة العقليّة ما يرتفع بوجود الدّليل المعتبر على التّكليف ولو كان ظنيّا بل يرتفع بجميع ما يقتضي التّكليف ولو كان استصحابا لكنّه لا دخل له بالمقام فإنّ الكلام في الأصول الشّرعيّة لا العقليّة فتدبّر
وأمّا رابعا : فلأنّ ما ذكره أخيرا من خلط الفاضل المذكور بين المقامين بحسب صدر كلامه وذيله من حيث إنّ صدر كلامه يدلّ على الجواز في المقام الأوّل وذيله يدلّ على إثبات الجواز في المقام الثّاني يتوجّه عليه بأنّ التّحقيق عدم تعلَّق ما ذكره أخيرا بشيء من المقامين فتلخّص ممّا ذكرنا كلَّه أنّ ما ذكره الفاضل المذكور لا يخلو عن المناقشات وإن أمكن دفعها
فالتّحقيق في الجواب أن يقال إن كان المراد من العمومات الَّتي حكم بتخصيصها بالاستصحاب العمومات الاجتهاديّة ففيه أنّ من الواضح المعلوم حكومة الأدلَّة الاجتهاديّة على الأصول الشّرعيّة فكيف يجعل الأصل معارضا لها فضلا عن الحكم بتقديمه عليها وإن كان المراد منها العمومات الفقاهيّة كما ربما يظهر ممّا ذكره من الأمثلة والاستشهاد بناء على إرادة عمومات أصالة الحليّة ممّا دلّ على حليّة الأشياء كما هو الظَّاهر لا عمومات الحليّة الواقعيّة مثل قوله تعالى أحلّ لكم الطيّبات ففيه ما عرفته مرارا وستعرفه تفصيلا من حكومة الاستصحاب عليها من غير فرق فيما ذكرنا على التقديرين بين الابتداء والاستدامة الَّتي هي محلّ الكلام ولا بين الاستصحاب الموافق للأصل والمخالف له هذا وأمّا ما ذكره قدس سره في تقريب مرامه بقوله ولا ينافيه عموم أدلَّة حجيّته إلى آخره ففيه ما عرفت سابقا من المناقشة فيما أفاده في أوائل الاستصحاب فلا يحتاج إلى الإعادة والتّطويل هذا ولكن يمكن توجيه ما ذكره قدس سره بما لا ينافي ما حقّقنا بل ينطبق عليه من كون المراد بالعمومات هو ما ذكرنا في الشقّ الثّاني فيكون المقصود من العمومات التي يرجع إليها في الأمثلة هو عمومات الحلَّية والبراءة والطَّهارة عند الشّك لا مثل ما دلّ على حليّة الأشياء بحسب الذّات من العمومات الاجتهاديّة فقد تسامح في إطلاق التّخصيص على الحكومة على ما عرفته من جماعة في الجزء الثّاني من التّعليقة من أنّهم أطلقوا التّخصيص على الحكومة تسامحا ويؤيّد ما ذكرنا من التّوجيه فرضه الكلام في الاستصحاب المخالف للأصل بل يدلّ عليه كما لا يخفى ومنه يندفع ما أورد عليه من عدم الفرق بين الاستصحاب المخالف للأصل والموافق له ضرورة أنّ ما ذكره بالبيان الَّذي عرفته لا يجري في الاستصحاب
الموافق للأصل كما لا يخفى ومنه يظهر أنّ ما ذكره السّيد المتقدّم ذكره قدس سره لا دخل له بما نحن فيه أصلا ولا ربط له به جزما فليست المسألة إذا ذات أقوال بل ذات قولين هذا
ثمّ إنّ ما ذكرنا من التّوجيه هو الأقرب من كلامه عند التّأمّل لا ما ذكره الأستاذ العلَّامة من التّوجيه وإن كان قريبا ممّا ذكرنا إلَّا أنّ الفرق أنّه أراد تعميم كلامه للمقام وقد عرفت أنّه على خلاف التّحقيق فإنّه ممّا لا معنى له بعد التّوجيه المذكور مع أنّ ما ذكره دام ظلَّه في بيانه لا يخلو عن تعسّف كما لا يخفى
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّه بناء على ما ذكرنا في توجيه ما أفاده قدس سره لا حاجة إلى جعل التّعارض بين الاستصحاب الجزئي وعمومات أدلَّة الأصول إذ لا يشترط في الحاكم أن يكون بحسب النّسبة أخصّ من المحكوم بل لا معنى له بناء على ما ذكرنا إذ الأصل الجزئي بناء على التّوهم المذكور من جعل الأصول في الموارد الجزئية أدلَّة بأنفسها تعارض الاستصحاب الجزئي فيكون النّسبة تباينا لا محالة
وقد ذكر بعض أفاضل من قارب عصرنا أو عاصرناه كلاما بعد نقل كلام السّيد المتقدّم وكلاما في الرّد عليه يقرب ممّا ذكره الأستاذ العلَّامة لا بأس بذكره والإشارة إلى ما يتوجّه عليه من المناقشة فقال قدس سره أقول مراد الأوّل أنّ النّجاسة الاستصحابيّة في مورد خاصّ مدلول لعدم نقض هذا اليقين لأنّه دليل النّجاسة ودليل عدم النّقض قوله لا تنقض اليقين فأفراد عدم نقض اليقين بمنزلة أفراد الأخبار والحكم المستصحب بمنزلة مدلولها وقوله لا تنقض بمنزلة آية النّبأ فما ذكره صحيح وما ذكره الثّاني بقوله فيقال إلخ فيه أنّ مقابل النّجاسة المتيقّنة الجزئيّة الماء الدّال هذا الخبر على طهارته وحينئذ يمكن أن يعلَّل طهارته بآية النّبأ نعم ما ذكره الأوّل بأنّه لا عبرة بأدلَّة الأدلَّة فيه أنّ التّعارض بين شيئين بتنافي مدلوليهما بخصوصهما أو بين عموم أحدهما وخصوص الآخر أو بين عمومهما سواء كان أحدهما دليلا لشيء معارض مع الآخر أم لا ونحن نرى أنّ عموم لا تنقض اليقين مناف لعموم كلّ ماء طاهر لعدم إمكان العمل بالعمومين فيتعارضان وكون الأوّل دليل حجيّة الاستصحابات الخاصّة لا ينفي التّعارض فإن قلت نعم ولكن استصحاب نجاسة هذا الفرد أخصّ من كلّ ماء طاهر فيخصّصه فلا يكون معارضا لدليل هذا الاستصحاب قلنا صلاحيّة استصحابه لتخصيصه فرع حجّيّته وهو فرع شمول قوله لا تنقض إذ هو بعد علاج التّعارض بينه وبين عموم كلّ ماء طاهر وترجيح ذلك وهو لم يتحقّق بعد إذ قوله لا تنقض مع عموم كلّ ماء في مرتبة واحدة من الحجيّة ولا يرد مثل ذلك في دليل حجيّة الأخبار لأنّ المعارض للخبر الخاصّ إن كان خبرا آخر فيشملهما آية النّبأ على السّواء وكلّ منهما يقتضي تخصيص الدّليل بالآخر
وهو موجب لطرحهما وهو بعينه حكم تعارضهما وإن كان دليلا آخر فكما يعارض دليل حجيّة الخبر كذلك يعارض هذا الخبر دليل حجيّة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 161
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٦١