بالفصل وفيه أيضا أنّ حكم العقل بالتّعيين في صورة وحدة المرجع بالعرض إنّما هو من جهة انحصار الكلَّي في الفرد وعدم إمكان الرّجوع إلى غيره لعدم وجود موضوعه بالفرض وهذا المناط قد ارتفع في الزّمان الثّاني قطعا فكيف يمكن استصحاب التّعيّن وعدم جواز العدول مع أنّه لو كان المناط موجودا لم يجز التّمسك بالاستصحاب أيضا للقطع ببقاء الحكم
ومنها : ما عرفت عن بعض فيما تقدّم من التّمسك باستصحاب عدم وجوب الأجزاء المنسيّة بعد التّذكر الثّابت في حال النّسيان فيكون حكمه حكم الشّك في الإتيان بالجزء بعد تجاوز المحلّ لا قبله هذا وفيه ما عرفت من أن حكم العقل بعدم وجوب الجزء عليه في حال النّسيان وكونه معذورا في تركه إنّما هو من جهة عدم قابليّته لتوجّه الخطاب إليه وهذا المناط مرتفع في صورة التّذكر قطعا فمقتضى حكم العقل لزوم الإتيان به عند التّذكر ليحصل المطلوب الواقعي
نعم ؛ لو قام دليل على اختصاص جزئيّته بحال التّذكَّر أو ادّعي اختصاص الأدلَّة المثبتة للجزئية بها كما ادّعاه بعض أو احتمل ذلك كان هنا كلام آخر لا دخل له بالاستصحاب وقد مضى تفصيل القول فيما يتعلَّق بالمقام في الجزء الثّاني من التّعليقة عند التّكلَّم في فروع مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر
ومنها : ما تمسّك به بعض الأفاضل ممّن تأخّر لإثبات صحّة عبادة الجاهل المركَّب من استصحاب عدم وجوب الواقع عليه بعد الالتفات الَّذي كان ثابتا قبله بحكم العقل بقبح تكليفه
وفيه : أنّ العقل إنّما حكم بقبح توجيه التّكليف الواقعي إليه من جهة غفلته عنه وعدم قابليّة له لا رفع التّكليف عنه في الواقع وإلَّا فيلزم التّصويب الباطل عند أهل الصّواب مضافا إلى ما عرفت مرارا من عدم إمكان أخذ العلم في التّكليف الواقعي فلازم بقاء الأمر الواقعي وجوب امتثاله بعد ارتفاع الغفلة عنه مع أنّه لو حكم العقل برفع التّكليف الواقعي عنه لم يكن معنى لاستصحابه أيضا كما لا يخفى
قوله : وأمّا الثّالث فلم يتصوّر فيه الشّك إلخ
أقول : لعلّ المراد هو الشّكّ البدوي وإلَّا فقد عرفت أن الشّك في حكم العقل غير متصوّر في مورد من الموارد حتّى في المثالين الأوّلين لأنّ العقل إمّا يحكم بقبح الأوّل وحسن الثّاني مطلقا أو يحكم بهما بشرط عدم الاضطرار والخوف وعلى كلّ تقدير لا معنى للشّك كما هو ظاهر والقول بأنّه يحكم بهما في الجملة والمتيقّن منه ما لم يكن هناك خوف واضطرار قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه وأنّه لا يتصوّر الإهمال في موضوع الحكم في نظر الحاكم
نعم ؛ قد يتصوّر الشّك في الحكم الشّرعي في المثالين من جهة الشّكّ في عروض ما يرتفع معه موضوع الحكم حقيقة كالاضطرار مثلا لكنّه لا تعلَّق له بالشّك في حكم العقل بل ولا في حكم الشارع في موضوعه وهكذا الحال في المثال الثّالث فإنّه لا يخلو إمّا أن يقول بأنّ الشّرط في تنجّز التّكليف عند العقل هو العلم التّفصيلي بحيث يكون دائرا مداره ففي صورة عدم حصوله لا معنى لتنجّز التّكليف سواء كان هناك علم إجمالي أو لا أو يقول بأنّ الشّرط فيه عنده هو الأعمّ من العلم الإجمالي والتّفصيلي حسب ما هو قضيّة التّحقيق فلا يعقل شكّ في بقاء الشّرطيّة على كلّ تقدير
نعم ؛ ربما يستصحب نفس التّكليف المعلوم بالإجمال بعد الإتيان ببعض أطراف العلم الإجمالي ولكنّه لا دخل له بالاستصحاب في الحكم العقلي لأنّه استصحاب في الحكم الشّرعي مع أنّك قد عرفت عدم جريانه أيضا على بعض التّقادير والوجوه وهذا الَّذي ذكرنا من استصحاب التّكليف المعلوم بالإجمال في صورة الإتيان ببعض أطرافه هو الَّذي وقع في كلام جماعة ونبّه الأستاذ العلَّامة على فساده فيما سيأتي لا استصحاب التّكليف المعلوم بالتّفصيل فيما صار معلوما بالإجمال فإنّه لم يقع في كلام أحد ولم ينبّه الأستاذ العلَّامة على فساده أيضا في طيّ كلامه وإن كان فساده واضحا على تقدير وقوع التّوهم فيه كما لا يخفى ضرورة كونه استصحابا في الحكم الشّرعي أيضا مع أنّ المراد به إن كان هو الحكم الواقعي فلا يتصوّر الشّك في بقائه وإن كان الحكم الفعلي فيتبع حكم العقل بشرطيّة العلم للتّنجز من حيث الإطلاق أو الاشتراط فلا يتصوّر الشّك فيه أيضا هذا فالعبارة كما ترى لا تخلو عن مناقشة
قوله : توضيح ذلك أنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السّابق بالفعل إلخ
أقول : لا يخفى عليك أن المستصحب قد يكون موضوعا وقد يكون حكما وعلى الأوّل لا يخلو إمّا أن يكون الحكم المترتّب على استصحابه ممّا كان موجودا معه في الزّمان السّابق وجودا منجّزا فعليّا وإمّا أن يكون مترتّبا على وجوده في الزّمان الَّذي أريد استصحابه فيه بحيث يكون للزّمان المذكور مدخليّة فيه فيمكن فرض وجود تقديريّ لهذا الحكم في الزّمان السّابق مع المستصحب وهو كثير جدّا كاستصحاب حياة العبد الغائب مثلا في عيد رمضان لإثبات وجوب فطرته واستصحاب حياة الوارث عند موت مورثه إلى غير ذلك وعلى الثّاني لا يخلو أيضا إمّا أن يكون له وجود فعليّ منجّز مطلق لا تعليق فيه أصلا وإمّا أن يكون له وجود على بعض التّقادير وعلى بعض الوجوه لا إشكال في جريان الاستصحاب في الشّق الأوّل من القسمين بل لا خلاف فيه إنّما الإشكال والخلاف في الشّق الثّاني من القسمين الَّذي يسمّى استصحابه بالاستصحاب التّعليقي والتّقديري في لسان جمع من مشايخنا هذا ولكن لا يبعد أن يكون هذا الاصطلاح منهم مختصّا بالشّق الثّاني من القسم الثّاني لأنّ المستصحب فيه من الشّق الأوّل لا تعليق فيه أبدا غاية ما هناك
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 119
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١١٩