تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
التّصرف في مال الغير ووجوب ردّ الأمانة إلى أربابها نعم ؛ لا إشكال في جريان الاستصحاب في الأمر العدمي الَّذي لم يكن مستندا إلى القضيّة العقليّة وإن كانت في مورده كما في استصحاب عدم التّكليف الأزلي فإنّ العدم الأزلي قد يتصادق مع حكم العقل بالعدم أيضا كما في حقّ الصّغير الغير القابل للتّكليف الَّذي يستقلّ العقل بعدم ثبوت التّكليف عليه من الشارع لقبح التّكليف في حقّه وليس مستندا إليه لسبقه بالفرض عليه فحينئذ لا إشكال في جريان الاستصحاب في هذا الأمر العدمي لو لم يكن له مانع من جهة أخرى كعدم العلم ببقاء الموضوع كما قد يدعى بالنّسبة إلى الصّغير حيث إنّ عدم التّكليف الثّابت في حقّ الصّغير غير عدمه في حقّ الكبير لتباينهما موضوعا كما لا يخفى وعدم ترتب حكم عليه من حيث كون الحكم المقصود بالإثبات حكما عقليّا أو شرعيّا مترتّبا على الشّك فإنّه لا يجوز إجراء الاستصحاب حينئذ إمّا مطلقا أو بالنّسبة إلى الحكم المقصود بالإثبات وهذا لا يضرّ ما نحن بصدده من إثبات عدم إمكان جريان الاستصحاب في الحكم العقلي وما هو مستند إليه من الوجودي والعدمي دون ما لم يستند إليه بمعنى أنّه لا يكون فيه مانع من هذه الجهة وإن كان له موانع كثيرة من جهات أخر وهذا بخلاف الأمر الوجودي فإنّه لا يمكن أن يكون في مورد حكم العقل مستندا إلى غير حكم العقل ومنه يظهر الوجه في تخصيص استصحاب حال العقل باستصحاب البراءة الأصليّة فإنّ مرادهم ليس استصحاب حكم العقل بها من حيث الاستناد إليه بل استصحاب ما حكم العقل به أيضا في بعض أزمنة ثبوته واندفاع ما أورده عليهم بعض أفاضل من تأخّر من أنّ الحكم العقلي قد يكون وجوديّا وقد يكون عدميّا وقد يكون وضعيّا وقد يكون تكليفيّا فلا معنى لاختصاص جريان الاستصحاب في الحكم العقلي بالعدمي حيث إنّك قد عرفت أنّ مرادهم ليس استصحاب حكم العقل وإنّما هو استصحاب ما ثبت في مورد حكم العقل لا استصحاب حكم العقل حتّى يتوجّه عليه ما أفاده قدس سره نعم ؛ لو كان المراد ما هو الظَّاهر من عبارة الكتب لتوجّه عليهم إيراده لكن عرفت أنّ مرادهم ليس على طبق ظاهره وأنّ المعنى المذكور لا يتصوّر بالنّسبة إلى الأمر الوجودي فلذا خصّوه بالعدمي هذا حاصل ما ذكره الأستاذ العلَّامة في دفع ما أورده الفاضل المذكور على القوم في تخصيصهم استصحاب حكم العقل بالبراءة الأصليّة ولكنّه لا يخلو عن تأمّل يعرف وجهه من التّأمّل فيما ذكرناه في طيّ كلماتنا السّابقة المتعلَّقة بالمقام فلا نعيد فيه الكلام وممّا ذكرنا كلَّه يظهر لك فساد ما سلكه جماعة من التّمسّك باستصحاب الحكم العقلي كثيرا في الأصول وفي الفروع ونحن نشير إلى جملة منها حتّى تعرف حقيقة الحال فيما نطوي ذكره في هذا المضمار فمنها : استصحاب البراءة الَّذي قد اشتهر بينهم وقد تمسّكوا به في باب البراءة في الأصول لإثبات اعتبار أصالة البراءة في قبال الأخبار به وفي كثير من الفروع في الفقه يقف عليه من راجع إلى كلماتهم وأنت خبير بفساد التّمسك به حيث إنّ خلو الذّمّة الَّذي يحكم به العقل الرّاجع إلى حكمه بقبح العقاب من غير وصول البيان إلى المكلَّف ليس قابلا للاستصحاب لعدم الشّك فيه أصلا حتّى يجري الاستصحاب فيه بل العقل يحكم به دائما فلا معنى لأن يقال إنّه قبل الشّرع أو العثور عليه كان المكلَّف عالما ببراءة ذمّته عن الغسل في يوم الجمعة أو الاستهلال مثلا فتستصحب البراءة عند الشّك في حدوث الاشتغال توضيح الفساد : أنّه إن أريد من العلم بالبراءة في الزّمان السّابق هو العلم بعدم استحقاق العقاب كما هو الظَّاهر ففيه أنّ هذا المعنى ممّا لا يعرضه الشّك أبدا لاستقلال العقل به في الزّمان الثّاني أيضا لوجود ما هو العلَّة التّامة لحكمه به فيه وهو عدم وصول البيان وإن أريد بالمستصحب عدم التّكليف الأزلي من حيث عدم الموضوع أو عدم قابليّته كما في غير المميّز ففيه أنّا نقطع بانتفاء هذا الموضوع في حال الشّك فلا معنى لاستصحابه وإن أريد به عدم التّكليف الأزلي المتحقّق في حالتي التّميز وعدمه والمجامع لموضوعي حكم العقل والشّرع ففيه أنّ هذا ليس استصحابا في حكم العقل حقيقة على ما عرفت الكلام فيه لأنّ المراد بالبراءة المستصحبة حينئذ هو عدم تعلَّق التّكليف به بحسب الواقع المجامع لحكم العقل فإن أريد منه ترتيب ما يترتّب شرعا على عدم اشتغال الذّمة بالتّكليف الواقعي فلا بأس به مع اجتماع شروط الاستصحاب من إحراز الموضوع وغيره وإن أريد منه الحكم بعدم استحقاق العقاب على مخالفته التّكليف المشكوك فلا إشكال في فساده أمّا أوّلا : فلما عرفت أنّ الموضوع في حكم العقل بعدم استحقاق العقاب ليس هو عدم التّكليف الواقعي بل ما هو موجود في صورة العلم بعدم التّكليف والشّك فيه قطعا فلا معنى لإجراء الاستصحاب بالنّسبة إليه إذ الاستصحاب إنّما يجري بالنّسبة إلى الأحكام المترتّبة على الأمور الواقعيّة من الأعدام والوجودات لا ما يترتّب على الأمور المعلومة أو على ما يوجد في صورة الشّك قطعا إذ في الأوّل لا إشكال في انتفاء الحكم وفي الثّاني لا إشكال في ثبوت الحكم فلا يمكن إذا إجراء الاستصحاب وأمّا ثانيا : فلما عرفت غير مرّة أنّ الاستصحاب لا يثمر بالنّسبة إلى غير الآثار الشّرعيّة المترتّبة على المستصحب الغير الشّرعي فتدبّر ثمّ إنّه لا تنافي بين ما ذكرنا هنا من عدم جريان استصحاب البراءة وبين ما ذكرنا سابقا في توجيه كلماتهم في تخصيص استصحاب حال العقل بالبراءة الأصليّة لما عرفت أنّ