تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
من البراءة ثمّة هو عدم التّكليف لا حكم العقل بقبحه أو المؤاخذة عليها كما هي المراد من البراءة في المقام وإن أمكنت الخدشة فيما ذكروه ثمّة أيضا من غير الجهة المذكورة كعدم العلم ببقاء الموضوع وكون المقصود من استصحاب عدم التّكليف وإثباته هو نفي المؤاخذة وهو ليس من أحكامه إلى غير ذلك لكن لا تعلَّق له بمحلّ البحث كما لا يخفى ومنه يعلم أنّ البراءة الممنوعة استصحابها من جهة كونها حكما عقليّا إنّما هو نفي المؤاخذة ليس إلَّا فيمكن أن يقال حينئذ إنّ المراد بالبراءة عندهم في الأصول والفروع هو عدم التّكليف وخلوّ الذّمة واقعا فلا يتوجّه عليهم ما ذكرنا وإن توجّه عليهم الايرادان الأخيران ولعلَّه الظَّاهر من كلماتهم في موارد استعمال استصحاب البراءة وهذا وإن لم يكن جاريا أيضا إذا كان المقصود به إثبات عدم المؤاخذة إلَّا أنّ وجه المنع فيه ليس كونه استصحابا في الأحكام العقليّة بل ما عرفت من عدم كون المؤاخذة من الآثار المترتّبة على عدم التّكليف واقعا فافهم ومنها : استصحاب الاشتغال الَّذي جرى في الاشتهار مجرى استصحاب البراءة كما في موارد العلم الإجمالي بالتّكليف فيما يحكم العقل فيه بوجوب الاحتياط بعد الإتيان ببعض أطراف الشّبهة فإنّه قد يتمسّك حينئذ لوجوب الإتيان بباقي الأطراف باستصحاب شغل الذّمّة بالتّكليف وفيه : أيضا أنّ شغل الذّمّة الَّذي يحكم به العقل الَّذي يعبّر عنه بوجوب الاحتياط أيضا ليس ممّا يقبل الشّك حتّى يجري فيه الاستصحاب لأنّ العلَّة في حكم العقل بوجوب الاحتياط في أوّل الأمر وقبل الإتيان ببعض أطراف الشّبهة هو احتمال الضّرر في كلّ محتمل وهو متحقّق بعد الإتيان ببعض المحتملات ضرورة عدم صلاحيّته لرفعه مع أنّه على تقديره نقطع بارتفاع الموضوع فيستقلّ العقل بالحكم بوجوب الاحتياط وعلى تقدير ارتفاع الاحتمال لا يحكم بوجوبه قطعا فليس هنا مورد يشكّ في حكم العقل بوجوب الاحتياط حتّى يتمسّك باستصحابه نعم ؛ الاشتغال بمعنى بقاء التّكليف الواقعي المتعلَّق بذمّة المكلَّف وعدم الإتيان به واقعا ممّا يمكن وقوع الشّك فيه نظير سائر الأمور الواقعيّة لكن استصحابه إنّما ينفع في ترتيب الآثار الشّرعيّة على بقاء الواجب في ذمّة المكلَّف مثل عدم جواز فعل النّافلة ونظيره وأمّا بالنّسبة إلى الحكم بوجوب الإتيان بباقي الأطراف بالوجوب العقلي الإرشادي فلا لما عرفت من كونه مترتّبا على عدم العلم بإتيان الواجب لا على عدم إتيانه في الواقع مضافا إلى كونه من الآثار العقليّة لا الشّرعيّة نعم ؛ لو قلنا باعتبار الأصول المثبتة أمكن إثبات وجوب الطَّرف الباقي بالوجوب الشّرعي ولا يقدح فيه كون الحاكم بوجوب الإتيان بعد إثباته أيضا العقل لأنّ الحكم الشّرعي الثّابت بالاستصحاب يترتّب عليه جميع آثاره من العقليّة والشّرعيّة وغيرهما حسب ما ستقف على تفصيل القول فيه إن شاء اللَّه تعالى وبالجملة البراءة والاشتغال قد يراد بهما حكم العقل فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيهما وقد يراد بهما عدم التّكليف الواقعي وعدم سقوطه في الواقع فحالهما حينئذ حال سائر الموضوعات والأمور الَّتي يراد استصحابها فإن ترتب عليهما حكم شرعيّ فهو وإلَّا فلا معنى لاستصحابهما سواء كان من جهة ترتيب الحكم على ما هو موجود في صورة الشّك قطعا أو من جهة كونه أثرا غير شرعيّ والَّذي ظهر لي بالتّبع في كلماتهم كون مرادهم من استصحابي البراءة والاشتغال هو المعنى الثّاني لهما مع إرادتهم لترتيب ما هو مترتّب على العنوان الأعمّ من المؤاخذة على تقدير المصادفة في الثّاني وعدمها على تقدير ثبوت التّكليف في الأوّل فيتوجّه عليهم حينئذ ما عرفت من عدم جريانه أيضا وإن كان المستصحب لا دخل له بالعقل وممّا ذكرنا كلَّه ظهر لك أنّ ما ربما يستفاد من كلام الأستاذ العلَّامة من عدم الحاجة إلى استصحابي البراءة والاشتغال المشعر بتسلَّم جريانهما والغناء عنهما ليس في محلَّه كما أنّه ظهر لك أنّ ذكر استصحاب البراءة والاشتغال في المقام إنّما هو على تقدير كون المراد بهما المعنى الأوّل لا الثّاني واللَّه العالم ومنها : ما تمسّك به جماعة في مسألة وجوب تقليد الأعلم دليلا على نفيه من أنّا نفرض هناك مجتهدين متساويين في العلم فيستصحب التخيير وجواز الرّجوع إلى كلّ واحد منهما بعد صيرورة أحدهما أفضل وأعلم ويتم المدّعى في غير الصّورة بالإجماع المركَّب وعدم القول بالفصل وفيه أنّ حكم العقل بالتّخيير وجواز الرّجوع إلى كلّ واحد من المجتهدين في صورة المساواة إنّما هو من جهة قبح التّرجيح بلا مرجّح وهذا المناط ليس بموجود بعد وجود الأفضليّة فلا شك في حكم العقل للقطع بانتفائه فلا مجرى للاستصحاب نعم ؛ لو كان التّخيير بينهما في صورة المساواة شرعيّا أمكن استصحابه بعد ارتفاع المساواة مع قطع النّظر عن المناقشة فيه بتغير الموضوع أو احتمال تغيّره المانعين عن جريان الاستصحاب ومنها : ما تمسّك به جماعة أيضا في مسألة عدم جواز العدول عن مجتهد إلى غيره اختيارا مع مساواتهما في الفضيلة من حيث العلم والعدالة للقول بعدم الجواز كما هو المشهور من أنّا نفرض أوّلا وحدة المجتهد الَّذي يجوز الرّجوع إليه فيستصحب تعيّن تقليده بعد فرض وجود غيره أيضا ويتم المدّعى في غير الصّورة بالإجماع المركَّب وعدم القول
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 118 | ميرزا محمد حسن الآشتياني