تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
العقل على موضوع يوجد في صورة القطع بشيء وفي صورة الشّك فيه ممّا لا ينكر لكنّه لا دخل له بالحكم الظَّاهري للعقل كحكمه بقبح التّشريع مثلا على القول بكونه إدخال ما لم يعلم كونه من الدّين سواء علم بعدم كونه من الدّين أو شكّ في ذلك على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة هذا كلَّه مضافا إلى أنّه لو فرض شكّ للعقل في بقاء حكمه فلا يتصور إلَّا من حيث الشّك في بقاء الموضوع من حيث ارتفاع وجود ما يحتمل مدخليّته أو الشّك في ارتفاع ما علم مدخليّته أو وجود ما يحتمل مدخليّة عدمه أو الشّك فيه مع القطع بمدخليّته وسيجئ اشتراط بقاء الموضوع في إجراء الاستصحاب وإلى أنّه لا معنى لإجراء الاستصحاب في الحكم العقلي مع قطع النّظر عمّا ذكر أيضا لعدم ترتّب أثر شرعيّ عليه حتّى يجري الاستصحاب فيه بناء على ما عرفت غير مرّة وستعرف إن شاء الله من أنّ استصحاب ما لم يترتّب عليه أثر شرعيّ إذا لم يكن نفسه حكما شرعيّا ممّا لا معنى له هذا محصّل الكلام في الحكم العقلي بمعنى الإنشاء ومنه يعرف الكلام في عدم إمكان جريان الاستصحاب في حكمه بمعنى الإدراك أيضا لعين ما عرفت سابقا من عدم تعقّل الشّك في بقائه لأنّه في الزّمان الثّاني إمّا أن يدرك ما أدركه أوّلا أو لا يدرك قطعا ولا يعقل الشّك في أنّه يدرك أو لا يدرك نعم ؛ المدرك ممّا يشكّ في بقائه سواء كان من مقولة الحكم أو الموضوع لكنه لا دخل له بالإدراك الَّذي نتكلَّم فيه فتدبّر ؛ هذا مجمل القول في المقام الأوّل وأمّا الكلام في المقام الثّاني وهو إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشّرعي التّابع للحكم العقلي أي المستكشف منه بقاعدة التّلازم بينهما فالَّذي صرّح به الأستاذ العلَّامة إمكان جريان الاستصحاب فيه مع قطع النّظر عن تسبّب الشّك فيه عن الشّك في الموضوع وتردّده بين ما هو باق واقعا قطعا وبين ما هو مرتفع كذلك لأنّ الحاكم به ليس هو المكلَّف حتّى لا يمكن وقوع الشّك فيه بل غيره وقد عرفت أنّه لا شبهة في طريان الشّك في بقاء حكم الغير فمع قطع النّظر عمّا هو قضيّة التّحقيق من لزوم إحراز الموضوع في الاستصحاب لا ضير في الاستصحاب المذكور لا يقال : إذا فرض كون حكم الشّرع تابعا لحكم العقل فكيف يمكن احتمال بقاء الحكم الشّرعي مع القطع بانتفاء الحكم العقلي المتبوع له لأنّا نقول : معنى تبعيّة الحكم الشّرعي للحكم العقلي هو اتّحاد موضوعهما لا كون الحكم العقلي موضوعا للحكم الشّرعي فلو فرض إذا شكّ في ما هو الموضوع في القضيّة العقليّة واحتمل كونه ممّا ينتفي في الزّمان اللاحق لم يكن هناك مانع عن استصحاب الحكم الشّرعي مع القطع بعدم وجود الحكم العقلي لإمكان الشّك في بقاء الحكم الشّرعي واحتمال بقائه من جهة احتمال بقاء ما هو الموضوع له لا يقال : إذا فرضت كون الموضوع في حكم العقل هو الشّيء بوصف كونه معلوما فلا بدّ أن يكون هو الموضوع في حكم الشّرع أيضا لأنّ حكم الشّرع المستكشف من حكم العقل لا يمكن أن يكون موضوعه غير ما هو الموضوع في حكم العقل فكما لا يعقل الشّك في بقاء الحكم العقلي من جهة أخذ العلم في موضوعه جزءا كذلك لا يعقل الشّك في بقاء الحكم الشّرعي أيضا لا من جهة أنّ الموضوع في الحكم الشّرعي هو حكم العقل حتّى يمنع عنه بل من جهة وحدة الموضوع فيهما لأنّا نقول : أمّا أوّلا فلأنّ وحدة الموضوع في حكم العقل والشّرع لا يقتضي عدم احتمال بقاء الحكم الشّرعي في موضع الدّوران فإنّ العلم الَّذي يكون معتبرا في الحكم والإنشاء إنّما هو علم الحاكم لا علم غيره فإذا كان الحاكم العقل فلا بدّ في حكمه من علمه بما هو المناط له في زمان الحكم وإن كان الحاكم الشّرع فالمعتبر هو علمه لا علم المكلَّف ومن المعلوم أنّ تحقّق الموضوع وبقاءه عنده ممّا هو محتمل قطعا فيحتمل وجود حكمه أيضا فكون العلم مأخوذا في موضوع حكم العقل لا ربط له بالمقام ولا يمنع من الشّك في بقاء الحكم الشّرعي كما هو ظاهر وأمّا ثانيا فلأنّ الكلام إنّما هو بعد فرض عروض الشّك في الموضوع للعقل من أوّل الأمر وأنّه لا يدرى بأيّ موضوع تعلَّق حكمه وإلَّا فقد عرفت أنّ الشّك في معروض الحكم وأنّه أيّ شيء ممّا لا يعقل عند العقل فتدبّر لا يقال : كيف يدّعى أخذ العلم في موضوع حكم العقل وأنّه لا واقعيّة له حتّى يشكّ في بقائه وعدمه مع أنّ من المشاهد المحسوس شكَّنا كثيرا في وجود المصالح والمفاسد في الأفعال المقتضية لحكم الشارع لأنّا نقول : قد اشتبه عليك الأمر في حكم العقل فإنّ المراد من حكم العقل في المقام ليس هو المصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء الباعثة على حكم الشارع فإنّها من ذاتيّات الأشياء ومن الأمور الثّابتة في الواقع بحيث لا ربط للعقل فيها أصلا وإنّما المراد من حكم العقل في المقام هو ما ذكروه في مسألة التّحسين والتّقبيح وجعلوه محلَّا للنّزاع ثبوتا وعدما وكونه دليلا على حكم الشارع على تقدير الثّبوت أم لا الَّذي قسّموه إلى أقسام خمسة من الاقتضائي والتّخييري ومن المعلوم أنّ هذا إنشاء محض من العقل لا واقعيّة له أصلا فتبيّن ممّا ذكرنا كلَّه أنّ الشّك وإن كان متصوّرا في بقاء الحكم الشّرعي المستكشف من حكم العقل من جهة قاعدة الملازمة إلَّا أن الشّك فيه يرجع دائما إلى الشّك في بقاء موضوعه فلا يجري الاستصحاب فيه من هذه الجهة لا يقال : لو كان الأمر كما ذكرت من عدم تعقّل جريان الاستصحاب في الأحكام
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 114 | ميرزا محمد حسن الآشتياني