تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
مفسدة فوت الواقع فيظهر من الأستاذ العلَّامة قدّس سرّه أنّ العمل بالاحتياط أيضا أولى من العمل بالطريق المعتبر لو خلَّي وطبعه إذ فيه إدراك للمصلحة الأوليّة ولكن قد يشكل في ذلك بأنّه بعد فرض تدارك المصلحة الأوليّة بما يساويها أو أقوى منها لا رجحان في إدراكها سيّما مع ما في الاحتياط من المشقّة الزّائدة وإن كان فاسدا وبالجملة بناء على ما عرفت سابقا منّا لا إشكال في جواز الأخذ بالاحتياط في مقابل الظَّن التّفصيلي في الفرض وأمّا بناء على القول بعدم الجواز في الصّورتين السّابقتين فلا إشكال في الحكم بعدم الجواز بالنظر إلى قضيّة أكثر الوجوه المتقدّمة بل قد يقال بعدم الجواز في المقام من وجه آخر قد عرفته سابقا وهو أنّ مقتضى ما دلّ على اعتبار الظَّن من حيث الخصوص تعيين الرجوع إليه وعدم جواز الأخذ بغيره ولكنّك خبير بأنّه في كمال الوضوح من الفساد على ما عرفت لأنّ ما دلّ على حجيّة الظَّن لا يدلّ إلَّا على كفايته عن إحراز الواقع من حيث البناء على أنّ مؤدّاه هو الواقع لا أن يكون في عرض الواقع كما هو واضح وأمّا دلالته على تعيين الأخذ به فلا كيف ولو دلّ على ذلك لدلّ على عدم جواز الرجوع إلى العلم التّفصيلي أيضا وهو كما ترى وبالجملة هذا التّوهم في كمال الوضوح من الفساد وأمّا الاستدلال له بقوله دام ظلَّه مع إمكان أن يقال إلى آخره فهو راجع إلى ما عرفت في الوجه الثّامن لأنّ حاصل ما ذكره دام ظلَّه هو أنّه إذا فرضنا الواجب تعبّديّا بمعنى كون الغرض من الأمر به هو التّعبّد بإيجاده لا حصوله بأيّ وجه اتّفق أي سواء كان بعنوان التعبّد أو لم يكن كما يكون الأمر كذلك في التوصّلي وشككنا ولو من جهة فتوى جماعة في أنّ المقصود التعبّد بإيجاده ولو في ضمن أمرين أو التعبد بإيجاده متميّزا عن غيره فلا بدّ من الالتزام بالأخير تحصيلا للقطع بإتيان ما هو غرض المولى نعم ؛ استدلاله دام ظلَّه على ذلك بأصالة عدم سقوط الغرض الدّاعي محلّ تأمّل لأنّ حكم العقل بوجوب تحصيل القطع مترتّب على نفس الشّك لا على مجرى الأصل المذكور فلا معنى لإجرائه كما لا يخفى وبالجملة ما ذكره دام ظلَّه العالي راجع إلى ما ذكرنا سابقا كما أنّ قوله وليس هذا تقييدا في دليل تلك العبادة إلى آخره يرجع إليه أيضا من حيث إنّ الشّك المفروض إنّما يرجع إلى الشك في أخذ الشارع خصوصيّة في كيفية الإطاعة لا في أصل المأمور به ومن المعلوم أنّ هذا الشّك لا يرجع في رفعه إلى إطلاق العبادة ضرورة أنّه إنّما ينفع لنفي الخصوصيّات الَّتي يشك في أخذها في المأمور به وأمّا الخصوصيات المعتبرة في الإطاعة فلا إذ هي متأخّرة عن الأمر فكيف يمكن نفي الشّك عنها به وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا وأمّا الرّجوع إلى إطلاق ما دلّ على وجوب إطاعة اللَّه في أوامره فلا يجوز أيضا على ما عرفت لأنّه مسوق لبيان أصل وجوب الإطاعة أي المهملة لا لبيان كيفيتها كما لا يخفى مع أنّ للإطاعة الواجبة به معنى تجري في التوصّليات أيضا فلا معنى للتمسّك به في المقام هذا نعم ؛ لا إشكال كما عرفت سابقا في أنّه على تقدير الشّك فيما يحصل به الإطاعة ودورانه بين ما يحصل به الإطاعة يقينا وما يشكّ في حصول الإطاعة به لا بدّ من الأخذ بالطَّريق اليقيني ففي المقام لو أراد المكلَّف الاحتياط في العبادة على هذا الفرض لا بّد من أن يأتي أوّلا بما هو مقتضى الظَّن الخاصّ من الاجتهاد أو التّقليد متميّزا عن غيره ثمّ يأتي بالمحتمل الآخر بقصد القربة المطلقة على تقدير إيراث حسن الاحتياط عقلا وشرعا التّقرب المسوّغ لقصده في العمل المأتي به بعنوان الاحتياط إذ المفروض عدم وجوبه عليه ظاهرا بعد الرّجوع إلى الظن المعتبر في تعيين المكلَّف به لو سلَّم كون الوجوب الظَّاهري المسبّب عن الاحتياط مسوّغا لقصده ومنه يندفع توهّم أنّ هذا النّحو من الاحتياط مخالف للاحتياط لاستلزامه الإخلال بقصد الوجه في المحتمل المأتي به أخيرا لأنّ المفروض احتمال وجوبه أيضا توضيح الاندفاع أنّ قصد الوجه لا يجوز بل لا يمكن على وجه إلَّا بعد إحراز الوجه إمّا واقعا أو ظاهرا والمفروض انتفاؤهما في المقام فكيف يقصد الوجوب في إتيان المحتمل الآخر مع أنّه تشريع محرّم بالأدلَّة الأربعة وبالجملة القول باشتراط قصد الوجه في صحّة العمل حتّى في الفرض وأمثاله مستلزم للقول بعدم مشروعيّة الاحتياط في الشّريعة في غير مورد الحكم بلزومه رأسا لأنّ المفروض عدم إمكان إحرازه فهو نظير القول بشرطية المطلقة للطَّهارة للصّلاة مثلا فإنّ لازمه القول بعدم مشروعيّة الصّلاة لفاقد الطَّهورين وهذا ممّا يرغب أهل العلم عنه ولم يلتزم به أحد ممّن قال بشرطيّة قصد الوجه إلَّا أبو المكارم في بعض كلماته لا يقال هب أنّه لا يتمكَّن من قصد الوجوب لعدم ثبوته واقعا ولا ظاهرا لكنّه يتمكَّن من قصد الاستحباب فليأت به على هذا الوجه بناء على القول بشرطيّة قصد الوجه إذ القول المذكور لا يختصّ بالواجبات لأنّا نقول قصد الاستحباب كقصد الوجوب يحتاج إلى ثبوته واقعا أو ظاهرا والمفروض عدم ثبوته على الوجه الأوّل وأمّا على الوجه الثّاني فهو غير ثابت أيضا لما ستقف عليه في الجزء الثّاني من أنّ رجحان الاحتياط وأوامره لا يثبتان الاستحباب الشّرعي وممّا ذكرنا كلَّه تعرف المراد من قوله دام ظلَّه وحينئذ فلا ينبغي بل لا يجوز ترك الاحتياط إلى آخره أي بعد فرض الشّك المقتضي لعدم جواز الاحتياط وإلغاء الظَّن لا يجوز للمكلَّف إن أراد التكرار والاحتياط أن يترك الاحتياط اللَّازم عليه بمقتضى الدّوران المفروض وعدم تركه يحصل بأن يحصل الواقع أوّلا بظنّه المعتبر ثمّ الإتيان بالمحتمل الآخر قربة إلى اللَّه تعالى على ما عرفت فلا تنافي بين كلامه هذا وما ذكره سابقا من استظهار جواز سلوك الاحتياط لأنّ كلامه هذا إنّما هو مفروض على تقدير الدوران