اللَّاحق بإخبار النّبي السّابق لا يجدي جدّا إذ ينقل الكلام إلى طريق إثبات نبوّة السّابق
قوله قدس سره : بل الأقوى كما صرّح به الشّيخ في العدّة إلى آخره
أقول : ما أفاده قدّس سرّه من تسرية الحكم إلى الضّرر المحتمل وأنّه ممّا يجب دفعه في حكم العقل لا بدّ من أنّ يحمل على الإهمال من حيث الضّرر الدّنيوي والأخروي ومراتب الاحتمال في الضّرر الدّنيوي وأقسامه فإنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل الأخروي ممّا لا شبهة فيه كما يرشد إليه اتّفاقهم في مسألة وجوب النّظر مع أنّها ليست مفروضة في خصوص الظَّن بصدق المدّعى كما لا يخفى كحكمه بدفع الضّرر المشكوك الدّنيوي في الجملة لا مطلقا كيف وستعرف تصريحه بعدم اعتناء العقلاء باحتمال الضّرر الدّنيوي مع ظنّ السّلامة هذا وستعرف شرح القول في ذلك منّا عن قريب
نعم ؛ كلام الشّيخ قدّس سرّه في العدّة لا يأبى عن ذلك فإنّه بعد ما اختار القول بالوقف من جهة العقل في مسألة الحظر والإباحة في الأشياء المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة وفاقا لجماعة وشيخه أبي عبد اللَّه قال ما هذا لفظه والَّذي يدلّ على ذلك أنّه قد ثبت في العقول أنّ الإقدام على ما لم يؤمن المكلَّف كونه قبيحا مثل إقدامه على ما يعلم قبحه ألا ترى أنّ الإقدام على الإخبار بما لا يعلم صحّته يجري في القبح مجرى من أخبر مع علمه بأنّ خبره على خلاف ما أخبر به على حدّ واحد وإذا ثبت ذلك وفقدنا الأدلَّة على حسن هذه الأشياء قطعا ينبغي أن يجوز كونها قبيحة وإذا جوزنا ذلك فيها قبح الإقدام عليها فإن قيل نحن نأمن قبحها لأنّها لو كانت قبيحة لم يكن إلَّا لكونها مفسدة لأنّه ليس لها جهة قبح يلزمها مثل الجهل والظَّلم والكذب ولو كانت قبيحة للمفسدة وجب على القديم تعالى أن يعلَّمنا ذلك وإلَّا قبح التّكليف فلمّا لم يعلَّمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك وذلك يفيدنا الإباحة قيل لا يمنع أن يتعلَّق المفسدة بإعلامنا جهة الفعل على التّفصيل فيقبح الإعلام ويكون المصلحة لنا في التّوقّف في ذلك والشّكّ وتجويز كلّ من الأمرين
انتهى ما أردنا نقله من كلامه قدّس سرّه وهو كما ترى لا يأبى الشّمول لبعض مراتب الاحتمال الموهوم وإن كان آبيا لشمول جميع مراتبها فإنّ مع الاطمئنان يحصل الأمن
فتدبّر وأمّا تمسّكه بعد العقل بالآية الشّريفة فليس له عين
ولا أثر في النّسخة الموجودة عندي مع أنّ في الاستدلال بها ما لا يخفى فإنّ الاستدلال بما يثبت الحكم للموضوع النّفس الأمري الواقعي لإثبات الحكم في صورة احتمال وجود الموضوع كما ترى وقال قدّس سرّه في العدّة في آخر المسألة واستدلّ كثير من النّاس على أنّ هذه الأشياء على الخطر أو الوقف بأن قالوا قد علمنا أنّ التحرز من المضار واجب في العقول وإذا كان ذلك واجبا لم يحسن منّا أن نقدم على تناول ما لا نأمن أن يكون سمّا قاتلا فيؤدّي ذلك إلى العطب لأنّا لا نفرق بين ما هو سمّ أو غذاء وإنّما ينظر ذلك إعلام اللَّه تعالى لنا ما هو غذاء والفرق بينه وبين السّموم واعترض من خالف في ذلك بهذا الاستدلال بأن قال يمكننا أن نعلم ذلك بالتّجربة إلى أن قال بعد جملة كلام له والنّقض والإبرام على الوجه المذكور فالمعتمد في هذا الباب ما ذكرناه أوّلا في صدر هذا الباب انتهى كلامه رفع مقامه
قوله قدس سره : ثمّ إنّ ما ذكره من ابتناء الكبرى إلخ
أقول : مراده قدّس سرّه من تحريم تعريض النّفس للمهالك والمضار الدّنيويّة والأخرويّة لا بدّ أن يكون أعمّ من التّحريم الإرشاديّ العقلي أو خصوص الإرشاديّ ضرورة عدم تصوّر التّحريم الشّرعي بالنّسبة إلى المقطوع من الضرر الأخروي فضلا عن المظنون أو المحتمل منه بل الأمر بالنّسبة إلى تعريض النّفس للمهالك الدّنيويّة أيضا كذلك فإنّ الضّرر الدّنيوي وإن كان قابلا لتعلَّق الوجوب الشّرعي بدفع المظنون منه بل المشكوك منه من باب الموضوعيّة إلَّا أنّه خلاف ما يستفاد من الأدلَّة فإنّ ما ذكره من الآيات على تقدير دلالتها على حكم التّعريض المدّعى صدقه في صورة الظَّن بالضّرر لا يدلّ إلَّا على الطلب الإرشادي وأكثرها يرجع إلى الإيعاد على ترتيب لوازم مخالفة الشّارع مع أنّه قد يمنع من دلالتها على حكم صورة الظَّن سيّما آية التهلكة
ثمّ إنّه قد يناقش في الابتناء الَّذي أفاده بقوله بناء على أنّ المراد إلى آخره مضافا إلى ظهور الفتنة فيما أفاده بأنّ المدّعى أعمّ من الضّرر الدّنيوي والأخروي فالاستدلال يتمّ على كلّ تقدير
قوله قدس سره : نعم التّمسك في سند الكبرى إلخ
أقول : ما أفاده قدّس سرّه واضح لا خفاء فيه أصلا فإنّ الافتراق بين الدّليل العقلي والشّرعي إنّما هو بالكبرى فإنّ ملاك الدّليليّة إنّما هو بها لا بالصّغرى ولا بالمجموع غاية ما هناك تسمية ما يكون الكبرى فيه فقط عقليّا بالعقل الغير المستقلّ في اصطلاحهم نظرا إلى عدم كفايته في الإنتاج وإلَّا لم يعقل عدم الاستقلال فيما يحكم به العقل وتسميّة ما يكون المقدّمتان فيه عقليّا بالعقل المستقلّ كما في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين مع ثبوت الملازمة بحكم العقل
قوله قدس سره : ولا يبعد عن الحاجبي إلى آخره
أقول : لا خفاء فيما أفاده قدّس سرّه وإنّما العجب من حكمه بأنّ حكم العقل في المسألة استحساني مع أنّه منكر لأصل حكم العقل رأسا فإنّه مع إنكاره الرّأسي كيف تصوّر ما حكم به اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ الجواب الإغماضي لا يتوقّف على التّصور التّحقيقي فتدبّر
قوله قدس سره : ثانيها ما يظهر من العدّة والغنية إلخ
أقول : لم أر الجواب المذكور والفرق بين الضّررين في
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 180
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٨٠