من الإنكفاء إلى الإنطواء :
غير أن من الواضح : أن ذلك الاعتدال النسبي ، وإن أسهم في صرف أنظار الحكام عنهم ، وعدم التصدي لإبادتهم ، إلا أنه لم يكن يكفي لدمجهم بصورة فعالة في المجتمع الإسلامي ؛ ليستفيدوا من الآخرين بعض ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم . وقد تحدث هنري ماسيه : عن أن الصفرية قد وقفوا موقفاً وسطاً بين الأزارقة المتشددين جداً ، وبين الإباضية المتساهلين ، فقبل الصفرية بالامتناع الموقت عن الحرب ضد المسلمين الآخرين ، واعتنقوا التقية ، وعدم قتل أولاد الكفار ، ثم ذاب الصفرية بالإباضيين ، « وهم يمثلون العنصر المعتدل في الخوارج » . ثم قال : إنه في منتصف القرن الثامن انحرفت فعالية الخوارج ، واتجهوا شيئاً فشيئاً نحو التجارة وتأليف الكتب الدينية والتاريخية الخ . . ( 1 ) . كما أن هذا التساهل لم يكن كافياً لتمكين دعوتهم من الانتشار ، وذلك لأسباب عديدة : أحدها : أنها كانت تعاني من الخواء العلمي ، ومن المضمون الفكري ، الذي يعتمد الدليل والبرهان المعقول والمقبول ، ويعطي رؤية متكاملة ، وواضحة ، وسليمة .