الثاني : أنها بحاجة أيضاً إلى انفتاح حقيقي في العقول والقلوب والمشاعر على الناس ، وعلى قضاياهم من موقع الإقناع والاقتناع . وهذا ما لم يستطع الخوارج حتى الإباضيون المتساهلون أن يفعلوه لما كانوا عليه من خشونة ، ومن عصبيات وجمود ، ولأن نفس تلك المفاهيم كانت خاطئة ، بالإضافة إلى طبيعة نظرتهم التي كانت تهيمن على عقلياتهم وعلى سلوكهم .
فلم يكن أمامهم سوى الانكفاء إلى أماكن نائية وبعيدة عن مراكز العلم والمعرفة ، والتحضر ، ثم الانطواء على أنفسهم - وذلك هو الحل الوحيد الذي بقي أمامهم ، فبقوا محصورين في مناطقهم البعيدة عن الحركة الفكرية والثقافية طيلة قرون طويلة من الزمن .
الثالث : ومما ساعد على هذا الانكفاء على الأعقاب والإنطواء : أن دعوتهم لم تكن منسجمة مع الفطرة الصافية ، ومع بديهيات هذا الدين وثوابته . وقد تقدم بعض ما يشير إلى ذلك ، فلا نعيد .
الرابع : عدم ثقة المسلمين بهم ، وظهور التزييف والتحريف والتقلب غير المسؤول في مواقفهم وفي مبادئهم .
ويكفي أن نذكر : أن الناس قد رأوا : أن ما يظهرونه من تساهل ، وما يدعونه من اعتدال فيما يرتبط برأيهم في علي بن أبي طالب « عليه السلام » ، قد سلكوا فيه سبيل التمويه والخداع والتزييف لحقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم وما يسرونه من مبادئ وتعاليم . وهذا ما سيتضح في الفصل التالي . .
علي والخوارج — صفحة 291
مساهمون: السيد جعفر مرتضى العاملي
ص٢٩١